من الدكتور إياد يونس إلى أخي العزيز : حبيب تومي تحية طيبة وبعد مليئة بالشكر حول المقال أكيتو عيد كلداني أم أشورى انا لم انقل وأضعه في اسمي بتاتا ولكن أتقدم بالشكر لك لأنني تنبهت إلى قرصنة من أحد المتطفلين الذين لا يتمتعون بأي أخلاقيات سواء في النشر أو مراعاة جهد أي باحث وأنا أقدم اعتذاري ليس كوني من أخذ المقال ولكن أعتذر لك كون المقال نشر من خلال صفحتي الشخصية الأمر الذي وضعك في شك ولم أعرف بذلك سوى اليوم لأنني كنت أمر في ظروف صعبة ولم استطع أن أتطلع لإلى بريدي منذ ثلاثة أشهر فعملت على كتابة هذا الاعتذار لأنه تمت الإساءة ليس من خلالي ولكن من خلال صفحتي الرئيسية في موقع جيران وليس هذا فقط بل تم أيضا الاعتداء على موقعي الالكتروني أكسير الحياة من خلال بعض الأشخاص الغير أخلاقيين وحاليا اعمل من خلال محرك البحث الماليزي على معرفة الـ IP الذي تم من خلاله اختراق صفحتي الشخصية وسوف أعلمك قريبا من قام بهذا الفعل الغير أخلاقي وأتمنى أن نبقى على اتصال دائم من خلال بريدي الالكتروني IYADYOUNESS@HOTMAIL.COM ومن خلال صفحتي الرئيسية في موقع جيران كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى موقع جيران لنزاهته وأخلاقياته وأتمنى أن تنضم معنا إلى شبكة المدونين العرب لتبادل المدونات كما أعدك قريبا جدا أن أزودك باسم من فعل ذلك لأنها إساءة لي قبل أن تكون لك وإساءة إلى موقع جيران. وأتمنى من إدارة موقع جيران ان تتبع الـ IP أيضا الذي نشر من خلاله المقال لأنك كما لا حظت اهتمامي بعلم الأديان القديم هو المسيطر على مقالاتي . ختاما تقبل خالص شكري.
ديانة الشنتو الدكتور إياد يونس العهود القديمة: النصوص الأولى: بعض من النسوة يسحبن الـ"أومي كوجي" أو أوراق البخت في "مزار كسغا" الشنتوي في اليابان ،لا يوجد مؤسس معروف لديانة الشنتو، كما لاتوجد كتابات مقدسة. تقوم أعراف هذه الديانة على مجموعة من الأساطير، الحوليات و الأشعار: الـ"كوجيكي" أو "وقائع الأحداث القديمة" ح 712 م و الـ"نيهون شوكي" أو "مدونات بلاد اليابان" ح 720 م، و التي تروي القصة الأسطورية لنشأة بلاد اليابان، كما تقوم بسرد نسب العائلة الإمبراطورية. بالإضافة إلى ذلك توجد العديد من الكتابات الأخرى على غرار "نوريتو" أو "الأحجار"، و بعض الأشعار الواردة في الـ"مان يوشو" أو "مجموعة العشرة آلاف ورقة" ح 760 م و التي قامت كلها بسرد العادات الدينية لليابان أثناء تلك الفترة. العقيدة: على عكس الديانات التوحيدية الأخرى، لا يوجد في الشنتوية تعريف للمطلق، لا يمكن لأحد أن يدعي الصواب المطلق ولا الخطأ المطلق، الناس في طبيعتهم غير معصومين من الخطأ. تعتبر الشنتوية من هذه الناحية ديانة متفائلة، حيث تفترض أن الإنسان كائن طيب في الأساس، وأن الشر يقع نتيجة تدخل الأرواح الشريرة، وتنحصر أغلب العبادات الشنتوية في إبعاد هذه الأرواح الشريرة عن طريق تنقية النفس، الصلوات وتقديم القرابين للـ"كامي". الكامي: الكامي هي كل الأشياء والموجودات التي لا تنتمي إلى مجال التأثير المباشر للإنسان، كل ما هو غريب، عجيب، غامض و مريع. لا توجد للكامي أشكال محددة، كما أنها يمكن أن تتمثل في كل قوى الطبيعة (صخرة، شجرة أو حيوان). آلهة الشمس "أماتيراسو أومي-كامي": لوحة خشبية للفنان الياباني أوتاغاوا كونيسادا ع(1786—1864 م) لم يتم تعريف أغلب الـ"كامي" و لا حتى تحديدها بشكل دقيق. بقوم كل تجمع بشري (عائلة، عشيرة أو قرية) يتحديد الـ"كامي" التي يرهبونها و التي يمكن أن ينتظروا منها أفضالا (مننا) من خلال حياتهم اليومية: المزارات: طقوس الزواج حسب الأعراف الشنتوية (مزار مييجي -(طوكيو)، وتنتظم مظاهر العبادة في الشنتو ضمن أفراد نفس المجموعة البشرية. يتم تبجيل و تعظيم الكامي الرئيس للطائفة "أوجي غامي" في مكان معين، و يكون على الأغلب خارج القرية أو التجمعات البشرية، يحدد المكان عن طريق أرواق خشبية (من رَوْقْ: الرواق المفتوح) أو الـ"توري، ترمز هذه الأرواق إلى الخروج عن عالم الإنسان و الدخول إلى عالم الكامي. كانت هذه الأمكنة في البداية عبارة عن فسحة خالية مخصص للآلهة فقط، تم بعدها تحويلها تدريجيا إلى مزارات، توحي هندسة مباني هذه المزارات بأنبار الأرز (مخازن الغلال). يتم تبجيل الكامي الأخريات، في أمكنة متنوعة: تشكل الصخور و الأشجار التي تحيط بالقرية حدودا رمزية لجغرافيا القرية، كما أن تقويم (الرزنامة) العادات و الأعياد، الخاص بهذه الجماعة، ينظمان إيقاع الحياة اليومية. العبادة: تتضمن العبادة في الشنتوية أربعة عناصر هي: الطقوس و الأعياد: كاميدانا: هي عبارة عن مزارات مصغرة تتواجد في البيوت اليابانية وتخصص لتبجيل الكامي الخاص العائلة لا يمكن للبشر التعايش بسهولة مع الـ"كامي". لكل منها طبعها الخاص، بعضها يتمتع بروح الدعابة، و بعضها ذو روح عاصفة. يمكن لها أن تكون كريمة و سخية في بعض الأحيان، قاسية وشريرة عندما تداس حرماتها. تنحصر أولى مهام المجموعة (الطائفة) في تنظيم الإطارين المكاني و الزماني بحيث تتداخل فيها مجالات البشر و الآلهة (الكامي) بأقل طريقة ممكنة، وضع الحدود، الضوابط و المحرمات و السهر على احترامها، ومن جهة أخرى تنظيم الشعائر. توجد شعائر خاصة لحماية البشر من مظاهر غضب قوى الطبيعة (الزلازل، الجفاف، الفيضانات، الأوبئة، الحرائق..). و أخرى تهدف إلى استعادة التناغم بين الجماعات البشرية و الكامي عندما يهدد ظهور القوى الطبيعية الفجائية في حياة الإنسان (المولد، الممات) هذا التوازن، وشعائر أخرى احتفالية (ماتسوري)، و التي تقام بشكل دوري مع كل موسم زراعي جديد و قبل مرحلة الجني و الحصاد عادة، يتم فيها تبجيل الآلهة حتى ترضى و تعم بركتها على الموسم.
صراع المقدس والمدنس في الديانة الزرادشتية الدكتور : إياد يونس وبالتالي ينقسم الفكر الديني إلى طقوس وممارسات والتي تنتج عن الواقع الإجتماعي الذي أفرز الفكر الديني،أي تطور للعادات والتقاليد الاجتماعية ودخولها في إطار المقدس،والقسم الأخر عبارة عن نمط من الحكايات عن بطل أسطوري يخلق العالم ،ويفرض على الوجود شكل من أشكال المديونية بعد ملحمة الخلق ،تلك المديونية هي الإيمان في مسماها الاعتقادي. وبالتالي فإن المعنى بأكمله يدور في خدمة بطل الحكايات الإله الأكبر الخالق،الذي خاض الصعوبات ليتمخص عنها الكون،حتى الشيطان أو البطل النقيض لا يتعدى دوره مرحلة مُكمّل للملحمة،فالدين قصة البطل الواحد.فالمُدَنِّس هو المحدد الأول للمقدس. والزرادشتية لم تخرج عن هذا الإطار،فرغم كونها تبدوا ثنائية التكوين الإلهي،المقسمة بين إله النور (أهورامزدا) وإله الظلمة (أهريمن)،إلا أن السطوة النهائية للنور في أساطير الديانة،فمهما تمكن أهريمن من تدنيس عالم النور المقدس،إلا أنه أكد على سطوة أهورامزدا في الحفاظ على قداسة النور.فدور البطل النقيض هنا تأكيد على وجود البطل الأوحد،وهذا ما سنحاول عرضه فيما يلي. ودعنا نسعرض الفكرة من بدايتها ، ” ففي الثقافة الفارسية كلمة (دين) لها مصدران لغويان،الأول (دي)،والمستخرج منها (ديدن،ديد،بديد) بمعنى (أن يرى) ورغم المعنى الحسي الأول إلا أنها لها عمق روحي ونفسي،بحيث تصل الكلمة في أحد اشتقاقتها اللغوية إلى (بينش) بمعنى البصيرة التي تُميز الشخص السئ عن الجيد…والمصدر الثاني (دا) والآتي من (داد) بمعنى العدل أو القانون ،وأصل كلمة (دين) في الأفستا ـ الكتاب الزرادشتي المقدس ـ (دئنا : da – e – na)،وفي اللغة البهلوية (den)،وفي الفارسية الدرية ـ الفارسية بالخط العربي ـ (دين) “. فالأصل اللغوي لكلمة دين مأخوذ في الفارسية من أصولها القديمة،بالإضافة للأصل العبري أو السامي القديم للكلمة،كما أنها تحتوي في مضمونها على النفس والمادة،أو البصيرة المعنوية،والقانون المادي المحسوس. وللديانة الزرادشتية تاريخ يصل إلى الألف الثالث قبل الميلاد في الحضارة الفارسية القديمة، والمسماة بإسم نبيها أو المبشر بفكرها وهو (زرادشت) ،وكانت الدين الرسمي للدولة الساسانية قبل الزحف العربي على فارس واعتماد الدين الإسلامي ديناً رسمياً للداخلين الجدد،وغم ذلك ظلت للزرادشتية وجودها الأصيل في المجتمع والفكر الإيراني حتى الأن،فما زالت هناك بقايا للمتعبدين بالزرادشتية،ولهم معابدهم،بل أن لهم ممثليهم في البرلمان الإيراني،لما تمثلة من قومية وجذور في العقل الإيماني في إيران.مما أثر في آلية التناول الديني والمذهبي بعد ذلك وهذا ما سنحاول طرحه في سياقات أخرى. ـ مُدَنِس النور مُقُدِّس الظلمة (ملحمة الموت والوجود): حقيقة تعتمد الديانة الزرادشتية على فصل النور عن الظلمة،أو الخير عن الشر، ولكن هذا الفصل التعسفي منذ بداية الأسطورة بدون إبداء أسباب هو الذي أدى إلى الظن بإنفصال القدرة والإرادة بين أهريمن الشيطاني وأهورامزدا النوري،وأن لكلاهما عالمه الخاص،ولكن برأيي أن الإنفصال كان قبل خلق الخلق،أي لم يكن هناك سبب للإلتحام،فتوازي العالمين ،لا يعني وجود إلاهين. ” فأهورامزدا في عالمه المتعالي،مصدر للنور والصفاء،فهو قوة العقل الكامل،يعلم بعلمه المطلق الشر والظلمة،وبعقله الكامل يعلم وجود أهريمن الذي كان في الظلمة المطلقة،الذي لم يكن يعلم وجود أهورامزدا،ولم يكن قادراً على إختراق الفضاء الفاصل ما بين الظلمة والنور..فهو يحيا على حدود عالم النور”. فلم يكن مسموح لأهريمن بتجاوز عالمه،فدوره لم يأتي بعد،فعالم الظلمة جزء من الوجود الذي يحكمه الإله الأكبر أهورامزدا،فرغم أن الأساطير الفارسية في كتاب الأفستا المقدس لم تؤكد على كون أن مزدا هو الإله الأوحد،ولكنها أكدت أنه الأكبر بلا منازع،وبقية الألهة عناصر مساعدة تم توكيلها للقيام بما حددة مزدا منذ البداية، ” فمزدا هو موجد الوجود،فالوجود تجل من تجلياته غير منفصل عنه،فمزدا كلي مطلق والحياة أو الوجود جزئي ونسبي . كما أن الأصل اللغوي لكلمة ” أهورامزدا” مكون من جزئين “أهورا” و ” مزدا”،أهورا من أصل ” آه” بمعنى الوجود في الفارسية القديمة، ومزدا من ” من ” بمعنى العدل فهو الوجود المطلق والعقل الكامل، فأهورامزدا هو الإله الاول الكامل في ذاته،العالم بعلمه المطلق.وهي صفات البطل الأوحد بلا منازع،ولكن متى جاء دور أهريمن؟؟. الأسطورة الزرادشتية تحكي لنا أن أهريمن قد سُمح له فجأة بعبور عالم الظلمة دون سبب واضح،وحينما صدمه هول ما رآه في عالم النور،فلم يكن على علم بوجوده،قرر أن يُدنس عالم النور،ويُميت الخلود،وكان مزدا يعلم بتجول أهريمن في عالمه النوراني المطلق،ورغم قدرته على فناءه لم يقم بذلك بل أنه اتفق معه على موعد لبداية المعركة بين العالمين،الخير والشر،الحياة والموت،وحددها أنها ستكون بعد ثلاثة آلاف عام.وفي تلك الأثناء خلق مزدا كل خلقه،بداية بالسماء والأرض،وصولاً للعشب والنار ونهاية بأخر مخلوقاته وهم البشر،وظل الجميع في حالة سكون،إلى أن أنقضت المهلة وأعلنت الحرب ضد أهريمن وأعوانه،فتحركت المخلوقات. أي أن فلسفة خلق العالم في الزرادشتية هي استعداد للصراع بين الخير والشر،حتى أن المخلوقات قد ظلت ساكنة،حتى اللحظة الموعودة،فالحرب مع الظلمة والشر هدف الحياة والوجود،ومن المهم الإشارة أن كافة المخلوقات كانت تتمتع بصفة الخلود الإلهي التي منحها إياهم مزدا،ولكن هذه المنحة لم تدم طويلاً في مرحلة الصراع،فقد تمكن أهريمن من خلق الموت والفناء،فقام بتدنيس مخلوقات أهورامزدا المقدسة الخالدة كخلوده،بسمة الموت والعدم،ولكن هذا لا يعني أن أهريمن يملك حق الموت في مقابل حق الحياة لدى مزدا،ففي نهاية الأسطورة أي في نهاية العالم والمعركة،سيُفني أهورامزدا عالم الظلمة،وأهريمن ليعود الوجود لطبيعته النورانية الأولى،أي الوعد الإلهي بالنور المنتظر،فحق الحياة والفناء بيد أهورامزدا فقط،وهذا ما سنتابعه فيما سيأتي. فأهريمن يمثل زوال الحياة ،أي نفي صفة الخلود عن الحياة،لتبقى من حق الإله الأكبر وحده،وكأنه يعمل لصالح من يحاربه،ويُقر بألوهيته عليه،فدوره لا يتعدى رمز للموت والمسؤول عنه، ” فجدلية النور والظلمة هي امتداد طبيعي لجدلية الوجود والعدم بما يتسق والتصورات الطبيعية في تلك الفكرة،..فللطبيعة وجود حاضر مفيد…وزوالها هي العدم أو الظلمة أو الموت ، ولكن الوجود في حد ذاته لا يمثل الإله الأكبر فهناك علاقة نسبية بين الوجود والإله. ورغم أن مبدأ الثانوية قائم في المعتقدات الآرية القديمة حتى ما قبل الزرادشتية،نتيجة لتأويل الطبيعة وتناقضتها لصالح العقل البشري،إلا أن الزرادشتية مثلت مرحلة نضج في الوعي الفارسي بمنطق التفكير في المجرد،والمطلق،وإعطاء الرموز الأولى مزيداً من العمق،فكانت فكرة الوحدانية والإله الأكبر،وإختزال الكل في واحد تأكيد على مرحلة الإيمان بالقدرية المطلقة،ويتحول الصراع بين المتناقضات إلى جدلية أبدية تصب في النهاية لصالح الخالد الأول والأوحد . وبالتدريج سيحاول أهريمن أن يأخذ النور الكامن في المخلوقات أي يأسر الحياة،ويهبط بها إلى العالم السفلي،ولكن في يوم النهاية الموعود سيعود كل النور إلى أهورامزدا ثانية،فالنور دائما إلهي وإن إنتسب إلى الشيطان بعض الوقت ولكنه عائد لأبديته مرة أخرى،ونتيجة لخطف النور الإلهي سيصيب المخلوقات الأمراض فيخلق لها مزدا الدواء،ثم يُصيب الإنسان العجز والهرم فيعوضه الإله بأبناء حتى تستمر الحياة،وهكذا دواليك،فأهريمن بفعلته تلك قد تمم الخلق الإلهي ونفذ مشيئة الرب الأكبر في كائنات فانية ضعيفة تحتاج دائماً إليه. ـ النار تجسيد لطُهر الألوهية: “النار في الزرادشتية هي فكرة مزدا المجسدة أعلى من كل مخلوقاته ، فالنار ليست معبوداً في حد ذاتها ،وإنما تجسيد للضياء الإلهي، هي أخت للنور ومصدر الطهر والنقاء في الوجود،فكما ورد في الزرادشتية ، ” أنها مخلوقة من ضياء العرش الأعلى، وتجسدت على الأرض …هي سر الحياة وروح العالم،رمز القوة الإلهية في الوجود،وأصل جوهر البشر، فأصل فكل المخلوقات من ماء إلا الإنسان المخلوق من النار…ولكن للنار تدخلها في كل عناصر الوجود ،فقد إمتزجت بالماء والنبات فاكتملت ملامح الخلق،ونمت الأعشاب..وتكونت السحب وهطلت الأمطار،..فكان الكون. إذاً فالنار تتجاوز مجرد الرمزية الخاصة بالضياء، لتتخلخل في الوجود بأكلمه،فقد مُنحت ميزات إلهية لم تُمنح لغيرها من العناصر الكونية،كما أن النار كذلك تُجسد الصدق المطلق،ضد الكذب المظلم،فللكاذب عقابه في الزرادشتية،في العالم الأخر بحيث سيمكث في ظلمة الجحيم ثلاثمائة عام ـ وللتصورات الحياة في العالم الأخر سياق أخر قد يحتويه سياق كتابي أخر وسيكون للنار فيه مكانة هامة ـ ولكن من يُشكك في صدقه فالنار اختباره. ” فيحكى أن سياوش بن كيكاوس البطل الإله ـ وهو أحد أبطال الفرس الملحمين وله مكانة خاصة في الأفستا بوصفه من عداد الصديقين ـ قد أتهمه أبوه في زوجته،وحتى يتحقق من صدقه في عدم مساسه بها،أدخله النار،فإذا خرج سالماً صدُق قوله وإلا ستحرقه النار،فيدخل سياوش ويخرج منها بلا أدنى أذى . فالنار هي مقياس الصدق الوحيد،وقد يُذكّرنا هذا المشهد،بحكاية النبي إبراهيم،ودخوله النار حتى يُعاقب ولتثبت صحة فكرته عن الله في قومه،فيخرج منها سالماً،خاصة إذا تتبعنا كم التراكمات الأسطورية التي بُنيت على الحكاية الإبراهيمية،سنجد ذلك التشابه الواضح في عمق البنية الرمزية لعناصر الكون في كل أشكال الدين. المهم أن النار في الزرادشتية تمثل حالة صراع أخرى بين المقدس والمدنس،فهي علامة الطهر والصدق ،وهي التي تفرق بين الشيطاني والإلهي،والصورة الأوضح لتلك الفكرة ميلاد زرادشت، فبداية خلقه كانت بنور إلاهي نزل من السماء السادسة للشمس للقمر،ثم لبيت النار،فأضاءت النار تلقائياً،ثم إلى رحم زوجة صاحب بيت النار،فحملت في فتاة هي والدة زرادشت،وحينما ولدت الفتاة كانت تُشع نوراً فظن أبوها أن هذا بفعل الشيطان،فطردها لتتزوج من أحد القبائل المجاورة لتنجب زرادشت،الذي كان يضحك ويتكلم لحظة ولادته،فخاف أهريمن على نفسه من هذا الطفل الإلهي،فوجه بعض أتباعه ليضعوه في قدر به نار مشتعله،فدخل ثم خرج منها سالماً،وحرق أولئك الشياطين ضاحكاً. ومن ضمن الاحتفالات التي تُقام سنوياً في الزرادشتية ، وما زالت للأن في بعض مُدن إيران كتراث شعبي،احتفال (شب يلدا : ليلة يلدا )،وهي أطول ليلة في السنة،بحيث يتساوى بعدها الليل والنهار ثم يتفوق النهار والنور على الظلمة والليل، فمن أهم التقاليد في هذه الاحتفالية اشتعال النار حتى يخاف أهريمن من ضيائها ولا يمارس سطوته على الشمس أو النور ويُخفيهما،وتمتد الاحتفالية حتى تأتي الشمس في الصباح،بعد أن تتحول المدن إلى كتلة لهب من كثرة ما أُشغل فيها من نيران. فالنار ترفع الدنس،وتُبعد مصدره الشيطاني،وتُطهر الكون بأكلمه،وتُجسد حالة الصراع الذي ينتهي غالباً لصالح أهورامزدا،فالنار البداية والأصل،رمز الصدق،مطهرة للحياة،وكذلك هي دلالة النهاية،فتبعاً للزرادشتية ، ” قبل قيام الساعة بثلاثة أشهر ستكون حرب قوية ما بين مزدا وأهريمن،سينتج عنها أعاصير وأمطار ثقيلة،…ثم تتصاعد النيران وينتهي العالم بالنار،ويفنى كل المخلوقات…ويغرق العالم في ظلام كامل لسنوات طوال حتى تقوم الساعة والحساب ويعود النور ثانياً .فنهاية العالم ستكون إلهية وليست شيطانية،فأهورامزدا يلعب في الأسطورة دور الإله الذي يرتكب الشرور أحياناً ويفني الوجود الذي خلقه،فرغم ظلمة الوجود بعد المعركة ،ولكنها هذه المرة ظلمة إلهية تؤكد لمفهوم البطل الأوحد. بل تمتد فكرة التطهر بالنار المقدسة بعد الموت والميعاد، ” ففي الكتابات البهلوية ورد أنه في يوم الميعاد…سيعبر البشر فوق صراط من نار..الصالحين لن يشعروا بعذابه..أما العصاة المذنبين اللذين تركوا إتباع اهورامزدا وساروا خلف أهريمن،سوف يتألمون حرقاً في النار حتى تُطهّرّهُم ثم يذهبون للجنة. فالنار بداية ونهاية،أصل الوجود وسبب العدم،وجواز المرور لنيل الرضا الإلهي،مقاومة للشر الأهريمني بقدرتها هي الأخرى على الفناء والعدم،فكلاهما مجسد للعدمية في جانب منه،النار أو أهورامزدا على الأرض،وأهريمن،مما يدل أن قدرات الموت والعدم لم تكن تخص أهريمن منفرداً وإنما هي ممنوحة له فقط من قبل أهورامزدا،كما منحها للنار.ويكفي أن نراجع كتابات (جيمس فريزر) خاصة كتابه أصل النار،وأيضاً كتابات (مرسيا إلياد) خاصة (العود الأبدي للأسطورة)،لنرى مدى تسرب أو تشابه قدسية النار في العديد من الأفكار الدينية المجتمعية،خاصة في مساحة نهايات العالم في كل دين أو مذهب،والتي أرجعتها إلياد إلى الزرادشتية،وإن كنت أرى أن التشابه لا يعني مطلقاً التأصيل حتى مع التتابع الزمني للحضارات. ـ الماء وتلويث المخلوقات: الماء عنصر مقدس في كل الديانات تقريباً،فهي ترمز لمجموعة من الإمكانيات فهي ترمز للموت كما ترمز للحياة،قادرة على الخلق،وعلى محو وتغير العالم،ومن البديهي أن تتحول دلالتها للتقديس المباشر في معظم الحضارات الإنسانية،إما بسبب الندرة أو الوفرة.وفي الديانة الزرادشتية لم يختلف الامر كثيراً،وإن كان له دلالته الخاصة في صراع التقديس والتدنيس. ” فالماء هي أصل الخلق..فماء مزدا الصافي ـ الذي يرمز إلى المني الذكوري في جانب منه ـ نزل إلى الأرض بعد أن خلق السماء عن طريق الهواء،ثم إلى باطن الأرض،وهناك بدأ بالحركة،فخلق البحار،ثم كانت الأمطار،وخلقت الحياة بالتدريج..بعد طوفان عظيم قسم العالم إلى سبعة أقسام وأقاليم،…فالأرض مستندة على الماء في كل جهاتها. ويحكى أنه لدى موت سياوش بن كيكاوس على يد بطل الترك (أفرسياب) بعد هرب كيكاوس من أبيه،هطلت أمطار دموية من السماء،وأن الامطار التي قسمت العالم وتسببت في الطوفان ،كانت أمطار دموية،فالمطر هو البداية والدماء سر الحياة،وبالتالي لابد وأن وتكون الأمطار المقدسة دموية. ودائماً ما كان أهريمن يحاول تلويث المياة،بوصف أن تلويث المياة أو تدنيسها هو تدنيس لكل المخلوقات،فإذا لامس الشيطان أو أحد أتباعه الماء يصبح هذا الماء ملعوناً لا يصح الإقتراب منه مطلقاً وإلا تحول مستخدمه إلى نجس شيطاني،لذا ترد في الأساطير الدينية،أن إله / ملاك المياه قادر على التشكل كما تشكل المياه،فأحياناً يظهر على شكل فتاة جميلة عذراء تكافئ الكهنة والموابذة وكل من يراعي قدسية المياه،وأحياناً على صورة فرس أبيض في حربه ضد حصان أسود هو شيطان الجفاف. وهكذا نلاحظ ارتباط دلالة الماء بالخلق والوجود ،واستمرارية الحياة،بل تحمل في داخلها دلالة العذرية والحياة الطاهرة في صورة الفتاة العذراء،أو صورة القوة في مواجهة الشيطان،فمعركة لابد وأن تُحسم لصالح أهورامزدا، بوصف أن تنديس الماء تنديس لمزدا ذاته،لأن ماءه هو سر الوجود. السماء مستقر الإله: السماءهي مكان الآلهة في معظم الديانات،كذلك في الزرادشتية،فمزدا هو أعلى من السماء ، إلا أن السماء هي بداية عالم نوره . وهي أول حصونه للدفاع عن عالمه ضد أهريمن . ” “فالسماء هي رداء أهورامزدا ، وهي أول خلق مجسد ، جوهرها من الماس ، فهي درع ضد أهريمن ، حتى لا يخترق خلق مزدا. فالسماء هي تجسيد للوجود الإلهي المتعال ، وربط أي عنصر بالسماء ، سواء من أقمار أو شموس أو نجوم ، إنما د ليل على تقديس تلك العناصر فهي مفتتح لتقديس عناصرها ، وتجل للنور الآلهي ، المجسد في الكواكب المتعدده ،فالأرض كذلك مرتبطة بالسماء بصفتها عنصراً تلقي هبات السماء ، من ماء ، وشهب وغير ذلك ، فهي مكان تجلي المقدس ، و إعلائها محاولة لتأكيد الرابطة على الإسقاط السماوي للأرض . ولكن ما دور العناصر السماوية في معركة اهورامزدا وأهريمن،أو المقدس والمدنس،فالشمس مثلاً هي عين أهورامزدا،وضياؤها من ضيائه،وهي أكثر المخلوقات طهراً،فإله الشمس هو المنوط بحركة الفصول،وتنظيم الأيام وعقاب الأشرار،والنظر في أعمال البشر،ونزع النور المقدس من أي من العصاة. أي أن للشمس دورها في تطهير العالم والمخلوقات بوصفها عين مزدا،فكل من يدنسه الشيطان أهريمن يطهره إله الشمس،بل ان الأمر يتجاوز ذلك ،فهناك علاقة قوية بين الشمس والوجود البشري،فأصل البشر منها،وستعود أرواحهم إليها،فهي رمز البداية. ” ففيها نطفة آدم أو الإنسان الأول ( گيومرث) ـ وهو لا يماثل آدم في الكتب الدينية الأخرى،ولكنه مخلوق من البقرة المقدسة ـ فحينما مات الإنسان الأول صعدت نطفته المقدسة إلى الشمس لتتطهر ،ثم عادت واستقرت في الأرض لأربعين عاماً،وبعد ذلك نتج أول ذكر وأنثى. ومن ضمن الطقوس المؤكدة على فكرة تقديس الشمس والنور،أن الموتى في الزرادشتية يدفنون في أعلى الجبال،ولذلك فكرتان،الأولى أن الميت نجس لأن الموت من فعل الشيطان أهريمن،فالجسد طالما به حياة فهو ملك لأهورامزدا،ولكن حال موته لم يعد يمت له،وإنما الروح النورية فقط هي المتبقية في حالة طُهر لأنها نور مزدا،لذا فيتم دفن الموتى في أعلى قمم الجبال بعيداً عن المقدس الأرضي،ولكن هناك تأويل أخر لنفس الطقس،فالغرض من الدفن الجبلي هذا هو الإقتراب من الشمس فهي تأتي من خلف الجبل وتعود إليه،وبالتالي فالميت سوف يتتطهر من دنس موته الشيطاني لدى اقترابه من مكان الشمس،حتى أن الملوك كانوا يدفنون هناك رغبة في البركة،و يُودّعون بجملة : (فلتذهبوا إلى جنة الشمس). فهناك ارتباط جلي وواضح ما بين بداية الحياة البشرية والشمس،فمهمة التطهير والتقديس مهمة أزلية لكافة المخلوقات،والموجودات،كما أن للقمر دوره كذلك في نفس المنظومة،فهو ” حادي الأرواح للعالم الأخر،مُجسداّ مرحلة البرزخ والإنتقال في الزرادشتية،..وهو مرجع ذنوب البشر،وميزان الثواب والعقاب… كما أنه قد حسم الصراع لصالح أهورامزدا…وسانده ضد أهريمن ،ومنع أن يصل دنسه إلى البشر التابعين لمزدا ..وذلك حينما تمكن من الهبوط للعالم السفلي وإنقاذ النور الإلهي الذي سرقه الشيطان من المخلوقات،وحينما صعد اكتمل نوره وصار بدراً. ومن المؤكد أن يكون زوال العالم مرتبط بزوال عناصر التطهير الدائمة العمل لصالح الإله الأكبر،وضد شيطانه أهريمن،أي رفع القدرة المقدسة لوسائل التطهير والتقديس،لتترك العالم في ظلمة شيطانية كيفيما كان في البداية، ” فمن علامات يوم القيامة في الزرادشتية خفوت ضوء القمر،وتغير لونه إلى الحُمرة..والكسوف الكامل للشمس،وتملأ الظلمة العالم لفترات طويلة،يعقبه الفناء الكامل للوجود. فالظلمة هي العدم مقارنة بضياء الوجود،أي أن الظلمة هي المدنس، فالإله يرفع مقدسه من العالم حتى تقوم القيامة وينفى الكون،فلا يتسق فناءه العناصر المقدسة ما زالت لها وجود،أي أن الظلمة المطلقة لا تعني إنتصار أهريمن،فهو سيصيبه الفناء كما غيره من الموجودات،إلى لحظة البعث التي سيجمع فيها الإله الأكبر هو مخلوقاته ليحاسبهم،ويحدد لهم المُقام.فالمحدد النهائي لبطولة أهورامزدا المطلقة هي لحظة البعث التي يثبت من خلالها أنه مالك الكون بأجمعه،ولا منافس. ـ رمزية الأفعى وجدلية الإله ـ الشيطان: الصراع لا يتوقف فقط في مرحلة السماء أو العناصر السماوية،فمكان الصراع ذاته هو الأرض بكل أشكال الموجودات فيها،وسنحاول رصد أهم الرموز التي تعاملت معها الديانة الزرادشتية،خاصة رموز الموجودات أو الحيوانات تحديداً،لما يشير لبقايا الأفكار الطوطمية التي سكنت العقل الإنساني منذ البدايات الحضارية،وكيفية تطورها بعض ذلك في إطار مقدس متكامل الفكر والطقوس. من أهم الرموز التي تشغل الوعي الديني الزرادشتي،رمزية الأفعى ـ كما شغلت العديد من الديانات القديمة الكبرى كالمصرية القديمة بتعدد مراحلها الفكرية، والبابلية بشقيها الأكادي والسومري ـ فالأفعى ترمز إلى التناقضين ،فهي ذات أصل شيطاني،ولكنها مرتبطة بالنار المقدسة في جانب أخر،وخير نموذج دال على ذلك التحليل اللغوي الآتي : ( الأصل اللغوي للكمة أفعى بالفارسية (اژی ـ Aji )، ف(أژی)، متشابهة من حيث البنية الصوتية مع Agni (إلة النار الهندي) لتوحد الأسرة اللغوية وكذلك السياق الحضاري..وAj منفصلاً تعني النار)،أي أن هانك ارتباط بين الأفعى والمقدس بشكل مباشر،وإن كان ارتباط لغوي لا أكثر،وتوضيح تلك الفكرة يحتاج إلى بحث منفصل حول العلاقة بين الأسطورة والتطور اللغوي ،ليس فقط في السياق الديني ولكن في الملاحم والتراث الشعبي بشكل عام.ولكن من المؤكد أن الأسطورة الزرادشتية قد قدمت أدلة كافية للإرتباط بين الأفعى والشيطان، “ففي نهاية العالم سيتجسد أهريمن على شكل أفعى،وسيتم تقييدها بواسطة ملاك ـ وفي حكاية أخر بواسطة الإله الأكبر ذاته ـ وستُلقى في الحجيم للنهاية . وفي قصة مشهورة في الزرادشتية تم تناقلها في الملاحم الإيرانية خاصة الشاهنامة وهي قصة (الضحاك وأفريدون)، ” فالضحاك مخلوق شيطاني له حيتان على كتفه،في الأسطورة ابتلعا الشمس،فكانت ظاهرة الكسوف،ولدى انتصار البطل الملحمي / الأسطوري افرديون عليه وقتلة للحيات سطعت الشمس من جديد،وكان عيد (المهرگان ـ المهرجان)،كما أن الأصل اللغوي للضحاك ( Aji Dhak ـ اژی دهاك)،وهو من تجليات أهريمن،واسمه مركب من (اژی ـ Aji) بمعنى الحية،و(دهاك) ويد اسمه (داسه) من أصل (Deas) اللاتينية ،و(ديو ـ Div) الفارسية يعني الشيطان،أي أن أسمه (حية الشيطان).”[23].خاصة إذا وضعنا في الاعتبار قصة تحول الضحاك إلى حليف للشيطان،فقد وعده الشيطان أن يُملّكه العالم بشرط أن ينفذ كل أوامره،وبالفعل إلى أن طلب منه أن يُطعم حيتان سوف تنبتان له على كتفه رؤوس شباب البلد،واستمرت تلك الأزمة إلى ظهور أفريدون وانتصاره بعد ملحمة طويلة،ليس مجال تحليلها الأن،وفي الروايات الأفستية،الضحاك هو الشيطان بشكل مباشر. فالحية ذات صلة واضحة باعالم المقدسات والمدنسات معاً،بمعنى أنها تجسد تلك العلاقة الجدلية بصورة واضحة،فهي ذات أصل شيطاني أهريمني واضح،أي أنها مشاركة في تدنيس العالم،فقد ابتعلت الحية الشمس،كما أن التراث الديني الزرادشتي يذكر الحية المقدسة بوصفها حية سماوية ضخمة تلتف حول العالم لتلتهمه في لحظة سطوة أهريمن.ولكن من جانب أخر إن صح تحليلي حول الأصول اللغوية والأسطورية،فإن للحية تجسيداً للنار كذلك،أي أنها تحتوي النقيضين في ذات الوقت، وتعتبر مجسدة لمة الصراع الجدلي بين المقدس والمدنس. وهكذا نلاحظ أن العلاقة بين الإله الاكبر والشيطان،لم تكن علاقة تنافسية،أو ندية بشكل كامل،فدائماًً ما كان أهريمن متمماً لإرادة أهورامزدا،فهو من جعل الإنسان فانياً،ووهبة العجز والمرض،والموت،فتتجلى قدرة الإله بقوته على ضعف الإنسان ،حتى أن الشيطان ذاته سوف يصيبه الفناء أو النفي الأبدي في الجحيم،خاصة وأن دور البشر لا يتعدى سوى مرحلة التلقي عكس بقية المخلوقات،فالإنسان في الزرادشتية،إما يُقدسه ويطهره الإله الأكبر،وإما يدنسه الشيطان،فدوره في الأسطورة يكاد يكون منعدم،ولكن مساحتة الحقيقية تتحقق من خلال الطقوس الممارسة في الديانة ،والتي تُعد التجلي الحركي للفكرة الحكائية.
عقيدة الموت والخلود عند المصريين القدماء الدكتور: إياد يونس ننتقل بعد ذلك إلي عقيدة الموت والخلود لدي المصري القديم.كانت تستهوي فكرة الحياة الأخرى على فكر الشعب المصري القديم أكثر من أي شعب أخر، وذلك بسبب طبيعة المصري القديم وكثرة تأمله فيما حوله من ظواهر: مثل شروق الشمس كأنها تولد وغروبها كأنها تموت ثم تعود في اليوم التالي تشرق مرة أخرى ، والفيضان الذي كان يجئ مرة واحدة في العام ثم ينخفض منسوب النيل شبهوه كأنه إنسان قارب على الموت حيث لا يحمل الخير مثلما يحمل الفيضان من السمك والطمي الخصب وفي العام التالي يجئ الفيضان مرة أخرى. كل هذه الظواهر وتأملات المصري القديم أظهرت فكرة الخلود ولكن كان يجب الحفاظ على الجسد لتهتدي إليه الروح بعد الموت ليحيا حياة أخرى. وربما كان ظهور تلك الفكرة بسبب خاصية رمال مصر التي تحافظ على جسد الميت بطريقة تبعث على الاندهاش حيث تقارب شكل الجثة شكل الأحياء وسنتكلم بالتفصيل – لاحقاً – عن فن التحنيط الذي كان وما زال يبهر العالم بما حققه من حفظ كامل لأجساد أجدادنا الفراعنة. كان المصريون القدماء يتوجهون بجسد الميت (بعد أن يتم تحنيطه) في موكب حتى يصل إلى الشاطئ الشرقي للنيل حيث ينتظرهم أسطول صغير من القوارب وكان المركب الرئيسي به غرفة كبيرة مبطنة من الداخل بأقمشة في هذه الغرفة كان يوضع جسد الميت ومعه تماثيل: إيزيس ونفتيس الإلهتان الحاميتان للميت ويقوم الكاهن بحرق البخور وتواصل النائحات اللطم على أرؤسهن. وبعد عبور النيل حتى الشاطئ الغربي للنيل يستمر الموكب حتى يصل إلى قبر الميت وبعد عمل بعض الطقوس لا يبقى سوى إنزال التابوت والأثاث الجنائزي وترتيبه ، فيوضع التابوت المصنوع على هيئة المومياء في تابوت أخر من الحجر يتخذ شكل حوض مستطيل ويوضع حوله عدة أشياء مثل العصي والأسلحة والتمائم ، ثم يقفل التابوت الحجري بغطاء ثقيل ويوضع بجانب التابوت الأواني الكانوبية (هي الأواني التي توضع فيها أحشاء الميت وتتخذ أشكال أبناء حورس الأربعة لذا فالأواني الكانوبية أربعة) داخل صندوق خاص. تم توضع المواد الغذائية للمتوفى التي تسمى "الأوزيربات النابتة" وهي عبارة عن إطارات من الخشب على شكل أوزويس محنط وبداخلها كيس من القماش الخشن يملئ بخليط من الشعير والرمل ويسقى لعدة أيام فينبت الشعير وينمو كثيفاً وقوياً وعندما يصل طوله إلى 12-15سم كان يجفف ثم تلف الأعواد بما فيها من قطع من القماش وأما الهدف من هذا العمل هو حث المتوفى على العودة لأن أوزوريس قد أعيد أحياؤه من الموت بهذه الطريقة. في الدولة القديمة كان صعود روح الملك المتوفى إلى السماء عبر سلم علوي عظيم أو قابضاً على ذيل البقرة السماوية أو محلقاً كطائر أو محمولاً على دخان البخور المحترقة من الكاهن أو عاصفة رملية. أما الاعتقاد الذي استقر بعد ذلك.والذي كان لكل البشر بعد أن أصبح حق عبادة الشعب لأي معبود مكفولة هو خروج الروح على شكل طائر برأس إنسان. كانت قاعة محاكمة الموتى في العالم الآخر تسمى باسم قاعة التحقيق ، ويوجد بها اوزوريس جالساً على العرش وخلفه شقيقتاه ايزيس ونفيتس و14 نائباً، وفي وسط القاعة يوجد ميزان كبير وبجانبه وحش لحمايته، كما يوجد في القاعة أيضاً تحوت وانوبيس . و تبدأ اجراءات محاكمة الميت عندما يقوم انوبيس بإدخال الميت (مرتدياً ثوباً من الكتان) الذي يحي اوزوريس وباقي الآلهة، ثم يدافع الميت عن نفسه 36 مرة لأنه يخشى ألا يصدقوه فيعيد إقراره الدال على براءته متوجهاً نحو الـ 42 إلها (كانت مصر مقسمة إلي 42 إقليما فكان كل إله يمثل إقليماً من أقاليم مصر) و بعد ذلك يذكر الميت كيف كان خيراً يعطي الخبز للجائع ويقدم الماء للعطشان و يكسى العاري. ثم يوضع قلبه في كفة الميزان وفي الكفة الأخرى تمثال صغير للحقيقة (معات) ولم يذكر تفصيلاً كيف يوزن قلب الميت ولا أحد يعرف هل الآثام كانت تثقل القلب أم تجعله خفيفاً ؟ وإذا أثبت أن هذا الرجل بريئاً كان له الحق في الحياة و السعادة في العالم الآخر أم إذا كان مخطئاً فإنه يدمر بواسطة الملتهمة(وحش خرافي مزيج من التمساح وأسد وفرس البحر). كان الشغل الشاغل للمصري القديم هوما سيحدث له في المحاكمة لأنه كان يعرف أنه ليس كل الناس سوف يحظون بالنعيم في الآخرة،لذا فقد عمد الكهنة إلي عمل بعض التمائم والنصوص السحرية لحماية الميت وتبرئته في المحاكمة ومن هذه الصيغ السحرية صيغة تجعل إله الشمس (الذي يعتبر القوى الحقيقية وراء تلك المحاكمة) يسقط من سماواته في النيل إذا لم يخرج ذلك الميت برئ الساحة من المحاكمة. كما وضع الفصل 125 في كتاب الموتى(سنتحدث عنه بعد قليل) لتخليص المذنبين من خطاياهم وكان هذا الفصل ينسخ على ورق بردي ليوضع داخل التابوت بين ساقي المومياء ليبرأ ساحة الميت، وكان الكهنة يتحايلون بهذه الطريقة على الشعب حيث أوهموهم أن بمساعدة النصوص السحرية يمكن أن تبرأ ساحة الميت وإن كان مخطئاُ. و من ضمن الأمثلة أيضاَ أسئلة القضاه في حساب المحكمة: 1. هل عشت أجلك الذي حدده لك الإله كاملاً؟ 2. هل راعيت حق بدنك عليك كما رعاك الإله في شبابك؟ 3. هل حفظت جسدك طاهراً كرداء نظيف لم تلوثه القاذورات؟ تصور المصري القديم أن الحياة في العالم الآخر مثلها مثل الحياة على الأرض حيث يوجد سماء مثل سماء الأرض ،ونظراً لأن الزراعة كانت عماد الحياة في مصر أيضاً ستكون ذلك في العالم الآخر حيث تصورا العالم الأخر حقول من القمح والشعير يحصدونها ويتمتعون بالخير الوفير والأمان . ولكن النبلاء كان من الصعب عليهم أن يعملوا في الحقول فظهرت تماثيل الأوباتشي التي تمثل الخدم أثناء عملهم والخبازين والجزارين والنساء وهن ينسخن القماش، وفائدتها أنها تقوم في العالم الآخر بخدمة مولاها وعمل كل الأعمال التي كان يجب أن يعملها بنفسه. كان من أهم الكتب لدي المصري القديم، وهو كتاب يحتوي على مجموعة من النصوص الدينية والسحرية عرفت عند المصريين باسم "فصول السير أثناء النهار" وكتاب الموتى في الواقع سليل نصوص الأهرام والتوابيت والمراد منه توفير حياة أخروية مريحة للميت وإعطائه القوى اللازمة لمغادرة المقبرة عند اللزوم. ومعظم ما وجد في المقابر أجزاء من كتاب الموتى التي كان يعتقد الميت أنه في حاجة إليها أما الباقي فلا ينسخ ولكن وجدت نصوص كثيرة تحتوي على كتاب الموتى كله، وفيما يلي بعض السطور من هذا الكتاب و ترجمتها حسب ترتيب السطر. دعاء لـ "رع" عند ظهوره في الأفق الشرقي أنظر "اوزوريس" كاتب قرابين الأرباب المقدسة جميعهم "آني" – يقول: العزة لك يا من أتيت مثل "خبرى" خبرى مثل خالق الأرباب إنك تبزغ ، وتسطع ، جاعلاً أمك ثاقبة ، متوجاً ملكاً للأرباب تعمل لك الأم "نوت" بيديها فعل العبادة تستقبلك كان الميت يخشى اعتداء اللصوص على الذهب والفضة الموجودين في القبر كما كان يرتاب الموظفين المنوط بهم لصيانة الجبانة، لذا فمن لا يؤدي واجبه منهم بإخلاص كان الميت يتوعده بأشد العقاب بأنهم لن ينالهم شرف التكريم الذي يمنح لأفاضل الناس، ولن يسكب عليهم أحد من المياه المقدسة ولن يتقلد أولادهم وظائفهم كما سوف تنتهك حرمات نسائهم على مرأى منهم ، أما إذا عملوا بجد فسوف يكافئهم الملك وسوف يمنحهم العديد من الوظائف .وإلي جانب ذلك كان يوجد موتى أشرار الذين كان المصري القديم يعتقد انهم يتركون مقابرهم ويزعجون الأحياء كما كان يعتقد أن أغلب الأمراض التي يعانيها الأحياء بسبب الموتى الأشرار . وإلي هنا تنتهي فكرة الموت والخلود لدي المصري القديم .نرجوا أن نكون أعطيناها حقها. وبهذا نكون قد ألقينا الضوء على كل جوانب الديانة المصرية القديمة بإيجاز وعرفنا شغف المصري بالاهتمام بتجهيز نفسه للحياة الأخرى واتخاذه كل السبل للوصول للنعيم الدائم وكيف كانت العبادة ووجود الآلهة بمثابة ضمير وواعظ أخلاقي وكيف كان المصري أول من وصل إلي فكرة التوحيد.
«الماء والملح والكبش» عند الأمازيغ من خلال الحفريات والميثيولوجيا الدكتور إياد يونس «إن المجتمع الذي يفقد أساطيره – بدائيا كان أو متحضرا- يعاني كارثة أخلاقية تعادل فقدان الإنسان لروحه» النبش في الواقع لاستقراء معطياته وتحليلها واستنباط النتائج منها، يدخل في صلب الإشكالات التي تهتم بها نظرية المعرفة، حيث إن مفهوم الواقع ذاته مفهوم ملتبس يطرح عدة إشكالات في حقل العلوم الإنسانية والحقة. وبما أن تحديد مفهوم شيء ما ينطلق أساسا من جرد ودراسة عناصره، فإننا نروم من خلال هذه الدراسة، البحث عن الجذور والأصول لبعض المظاهر الثقافية التي لا زال يزخر بها واقعنا. ما دمنا نؤمن أن خبرة الواقع من مقومات الثقافة الواعية، وهذا كله لن يتحقق إلا بدراسة الواقع و محاولة تحديه لصنع الأفضل، فقد سئل إينشتاين عن الظروف التي ساعدته على اكتشاف نظرية النسبية فأجاب :»بتحدي الواقع الذي كان العلماء مجمعين عليه». ينطلق الفكر من الواقع ليشتغل عليه ويتوصل إلى نتائج تخص هذا الواقع نفسه لتغييره أو المحافظة عليه. فعلاقة الإنسان بالواقع علاقة غير واضحة نظرا لحجم الغبار المتراكم على هذا الأخير، والذي يجب نفضه وإزالته من قبل الباحثين، حتى يبدو هذا الواقع جوهرة شفافة تظهر من خلالها الحقيقة واضحة، طبعا بشكل نسبي. أمان «Aman» «أمان" كما هو متداول في اللغة الأمازيغية بكافة لهجاتها هو مقابل للكلمة العربية "الماء"ولفرنسية eau ، فهو يحمل بين طياته في المتخيل الأمازيغي النقيضين بين الحياة والموت معا، يهب الحياة لكل الكائنات الموجودة على البسيطة، بما فيها الأرض التي تعتبر بمثابة أم لهذه الكائنات، فعندما يعتدل تواجد الماء: تنبت الأرض وتزهر مانحة بذلك الحياة لكل من يعيش عليها من حيوانات وإنسان، وعندما يفيض يمكن أن يهلك الكل:»إن رمزية الماء تنطوي على الموت مثلما تنطوي على الولادة الجديدة1». فهو رمز للخصوبة عند أمازيغ الأطلس المتوسط بالمغرب، وعنوان للحياة لدى التوارك... يقول الكاتب الأمازيغي Tertullien - نقلا عن المرجع السابق-:»إن المياه الأولى هي التي توصلت بأمر إحداث المخلوقات الحية» ومن هنا نستخلص أن المعتقدات الأخرى وحتى السماوية منها – كالإسلام- تؤكد أن الماء هو أصل الحياة. حفريات تخص: أمان"عند الأمازيغ: ذهبت ثلة من الباحثين إلى أن الصحراء الكبرى لشمال إفريقيا، كانت في العصور القديمة لما قبل التاريخ، منطقة خضراء تنعم بغطاء نباتي كثيف ووحيش هام، شكلت ملاذا خصبا للإنسان الأمازيغي القديم الذي مارس القنص والجنيummud 2 كمصدر لضمان عيشه. لكن بفعل الجفاف وتوسع ظاهرة التصحر التي عرفتها المنطقة، غير هذا الإنسان من أشطته الاقتصادية فغدا يعتمد تربية الضأن، وبحثا عن الكلأ لقطعانه أخذ في النزوح نحو الشمال الغربي (المغرب الكبير) والشمال الشرقي (مصر) لإفريقيا بحثا عن المراعي الخصبة3. وكما هو معروف لدى الجميع فإن الإنسان القديم كان يقدس الطبيعة، فأمام ندرة هذه المادة الحيوية (الماء) التي تضمن له الحياة، المرجح أنه بدأ في تعظيمها إلى درجة التأليه، حيث ارتبط هذا اللفظ Aman بالإله Amon الذي انتشرت عبادته قديما بشمال إفريقيا و الصحراء الكبرى4، بل وأن عددا من أكابر اليونان اتخذوه إلها كالقائد العسكري الإسبارطي lusandros (ت 395 ق.م5). إن فرضية العلاقة الوطيدة بين aman أو amman مشددا وamon تجد لها سندا حفريا يتمثل في تواجد معبد الإله amon بواحات siwa الغنية بعيون الماء إلى يومنا هذا خصوصا واحة aghormi التي يتواجد بها بقايا آثار هذا المعبد6. وهناك سند لغوي ينقله الأستاذ شفيق عن G.camps: "سجل في أوائل هذا القرن أن"الكوانش"les guanches، سكان جزر الخالدات [ الكناري7]، كانوا لا يزالون يذكرون اسما هو»أمان» amman بمعنى السيد والمولى والرب، ويقرنونه باسم الشمس8. هذا اللفظ يتطابق مع لفظ aman (الماء) من الناحية اللسنية، ويشترك من حيث الدلالة السيمولوجية مع amon في أداء وظيفة الألوهية. في ميثولوجيا الواقع: يلعب الماء Aman دورا حيويا لدى الأمازيغ، يتجلى في وظيفة الإخصاب ويبرز ذلك من خلال معطين أحدهما مادي والآخر رمزي. المعطى المادي: يظهر من خلال كون الماء يلقح الأرض أو «يجامعها» لكي تخرج نباتها الذي يضمن الحياة لكل الكائنات، فيشبه الأمازيغي الماء الذي يجري أو يسقط على الأرض كرمز للذكورة يؤدي نفس الوظيفة التي يقوم بها عضو الذكورة عند الرجل في التزاوج :»أجمل ما في العلاقة بين الماء والأرض العلاقة الجنسية9» حيث أنه في غياب الاتصال بين الماء والأرض ينعدم التخصيب والإنبات وتجف الحياة. معطى رمزي: إن أصل الإخصاب عند الإنسان كما هو راسخ في المتخيل الأمازيعي هو aman. فالإنتاج (أي ولادة عنصر جديد على الأرض) في كلا الفعلين هو نتاج لزواج بين ذكر وأنثى أو بين الماء و الأرض. فالماء رمز للخصوبة والإنتاج تنبت وتنتج الحب لتضمن الحياة للكائنات الموجودة فوقها، والمرأة تنتج السواعد التي تستعمل على الأرض وتجعلها تزيد من فعاليتها. فالتدليل على أن الماء عنوان التخصيب، لا زال إلى يومنا هذا حيث تذهب العديد من النساء العاقرات إلى: سيدي سليمان مول الكيفان أو حامة مولاي يعقوب10 للاستحمام في الماء طردا للنحس وطلبا للخصوبة. لقد شاهدت بحامة مولاي يعقوب فتاة يهودية عاقرة من أصل مغربي أتت صحبة أمها من إسرائيل لكي تستحم بماء الحامة عساها أن تستعيد خصوبتها! تشير هذه الشواهد إلى تزاوج غير معلن بين الماء والمرأة لأجل الإخصاب، وسنسترسل في سرد عدد كبير من الشواهد لمزيد من التوضيح. إلى يومنا هذا في جل القرى المغربية لا زالت الفتيات العانسات اللواتي يرغبن في الزواج يملأن وعاء من الماء من سبعة آبار مختلفة، ويتركنه معرضا لضوء النجوم ليلا، وللنجوم أيضا شأن آخر في الميثولوجيا عند الأمازيغ11 – وفي الصباح يستحممن به طردا للنحس و طلبا للزواج. موكب العروس: كما هو راسخ في المتخيل الأمازيغي – ولازال له وجود بيننا- خصوصا في البوادي والقرى، أن كل بيت يمر بقربه موكب العروس، لا بد وأن يقوم أهله وخصوصا الأم برشه بالماء تيمنا وطلبا لسنة فلاحية جيدة. ولعملية الرش في فصل الصيف جمالية خاصة، حيث أنها تلطف على الموكب جو المسير، وتشجعه على المواصلة في الفرح والسرور اللذين يغمرانه. Taghunja تاغنجا في حالة انحباس المطر، ونظرا لكون الماء هو مصدر الرزق عند الفلاحين، تمارس عدة طقوس لطلبه ومن بينها « taghunja ». و taghunja هي مؤنث Aghunja في الأمازيغية وهو عبارة عن مغرف من الخشب يتم به تحريك الطعام الذي يطهى في القدر. تأخذ Tangharet هذه الآلة وتلبسها قطعا من الثوب حتى تصبح كالدمية وتبدو في أبهى صورة، ثم تحملها فتاة صغيرة مزينة كالعروس تحيط بها فتيات القرية ويتبعن الفتيان والنساء12- هذا عند أمازيغ الأطلس المتوسط بالمغرب- و الكل يردد: «Taghunja a m unzar idda ad iqqar u zaghar Ini y wid n udaghar Nettrawn efatagh anzar Ad awin waman aman13” يخرج الأطفال رمز البراءة، والعذارى رمز الخصوبة والإنجاب، تحمل الفتاة العروس Taghunja وهي رمز العيش والبقاء والحفاظ على الوجود. كل هذا متوقف على الماء الذي تجود به السماء، الماء إذا تجاور الحدود وفاض قد يؤدي إلى الهلاك، طلبا للماء الذي سيسقي الحقول Igran ويروي الأشجار Iskla و Tisghar والحيوانات حتى تعود الحياة والدفء إلى الجماعة، حتى تنبت الأرض جميع أنواع الحبوب وتمارس Taghunja دورها المعتاد. أما في جنوب المغرب، فيتم تزيين Aghunja بالقماش والحلي والورود، وتحمله على العكس مما قلناه آنفا، امرأة طاعنة في السن تتلوها النساء وهن يطفن في أرجاء القرية مرددات أشعارا يتوسلن بها طلبا للمطر من قبيل: « telghena ma cen ilan Aman unzâr a cem ilan14 » وكل بيت يمررن بالقرب منه يقوم أهله برشهن بالماء تيمنا به وطلبا لسنة فلاحية جيدة. وهذه الأداة المطبخية بامتياز ترمز كما سبقت الإشارة لاستمرارية الحياة، وتستعمل في طلب المطر على امتداد ربوع شمال إفريقيا في المغرب والقبايل بالجزائر وتونس وغيره. Anarzam Anarzam كلمة أمازيغية من فعل Irzam أي فك القيد وأطلق السر، فالسماء تبخل على الأرض، تقيد الماء ولا تريد أن تفك قيده لهذا تقوم النساء ب Anarzam تقربا وطلبا لإطلاق سراح المطر:»يبدأ Anarzam أولا بحمام للأبكار، حيث يقمن بسكب لماء المخصب على الجسد15. تأخذ tamagharet جرعات صغيرة من كل استحمام لتقدم بعد ذلك قربانا للشجرة المقدسة. ثم تقف كل الفتيات وتفك كل واحدة منهن حزام سروالها، وتدعه يسقط على قدميها16، فهذا دليل على الرغبة في الإخصاب- و إمعان في الاستمتاع بكل إحساس داخلي لموسيقى الجسد كما يقول نيتشه- كأن الأرض تفتح أحضانها استعدادا لحمل هذا الطقس ذي أكثر من دلالة رمزية ويدل على ذكاء حاد امتاز به الأمازيغ من خلال المقارنة بين مفعول الاتصال بين الرجل والمرأة من جهة وبين الأرض والماء من جهة ثانية. بعد ذلك كل فتاة من اللائي سبق لهن أن قمن بطقس Anarzam – تقدم خصلة من شعرها، تجمعها tamgharet كل هذا يقدم هبة tufk لقوى الشر طردا للنحس الذي يحبس المطر. ثم :»تنتهي طقوس taghunja بسكب الماء الذي جمع من الاستحمام عند»قدم» الشجرة المقدسة. خصلات الشعر تحزمها تمغارت عند ijj القوى الروحية لا تفتأ أن تقبل هذا القربان المقدم إليها وتعوضه بأمطار غزيرة17». Ahuli abu Tinzar هناك طقس آخر لطلب المطر، لازال يمارس إلى حد الآن خصوصا في منطقة زمور بالمغرب كمنطقة رعوية مشتهرة بتربية الضأن ونسج الزرابي من صوفه. في حالة انحباس المطر دائما يخرج الأطفال والعذارى في موكب وهم يرددون: « Ahuli abu tinzar A R’bbi uwcax anzar » تقديم Ahuli الكبش في مقدمة الدعاء، هل هو من رواسب وبقايا عبادة الكبش الذي يرمز للإله Amon وهو طقس يرجع إلى العصور القديمة، حيث كان الإنسان يقدس قوى الطبيعة. هذا التمسك بالكبش له عدة تجليات في المعاملات لدى الأمازيغ من بينها: - تقديم الكبش كهدية للعروس إلى حد الآن، بدلا عن أي حيوان آخر كالثور... لأنه يرمز للخصوبة أكثر من غيره: «أما اختيار الكبش كرمز للرب آمون فالمرجع أنه راجع إلى أن الكبش من الحيوانات الشبقية والشهوانية، وكرمز للخصوبة18» - يقدم كهدية للصلح بعد الخصام، وكهدية لزاوية دينية أو ولي صالح، نظرا لرمزيته العالية لدى الأمازيغ. بقي سؤال آخر: هل يتم تقديم الكبش لطلب الماء حفاظا على هدا النوع من المواشي من الانقراض؟ أم لهذا التقديم دلالات أخرى؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتم بصفة قطعية بل سنستند ثانية على مجموعة من الشواهد التي تدل على أن الأمازيغ كانوا قديما يقدسون الكبش: - إن الرب أمون الذي يرمز له بالكبش إله صحراوي أمازيغي يدخل اسمه في تركيب شعوب أمازيغية قديمة كالامونيين وهم ليبيون أمازيغ19. والكرامانت أو أكرامن وهم السكان الأقدمون لفزان20 وهي منطقة صحراوية في ليبيا الحالية تشتهر بإنتاج الملح. ثم النسامون التي تتركب حسب الدكتور مصطفى أوعشي من كلمتين إناس INNAS وآمون Amon بمعنى INNAS AMoun أي أوحى آمون أو قال آمون، لأنه كما هو معروف أن عباد آمون كانوا يقصدون ضريحه وينامون فيه طلبا للرؤية أو المشورة، وهو طقس لا يزال يمارس إلى يومنا هذا، حيث يذهب الناس إلى أولياء صالحين بالمغرب كمولاي بوعزة أو مولاي عبد السلام.... وينامون في الضريح. من المعروف تاريخيا أن الصحراء الكبرى جنوب شمال إفريقيا كانت منطقة خصبة، يمارس سكانها التقاط الثمار Ummud والرعي خصوصا تربية الضأن. ومع الجفاف والتصحر الذي عرفته المنطقة، أخد هذا الإنسان في النزوح نحو الشمالين الشرقي والغربي بحثا عن الكلأ لمواشيه21. كون الكبش مصدرا للعيش عند الأمازيغ القدماء، قدسوه إلى درجة التأليه22 وربطوه بالإله آمون وأقاموا له نقائش صخرية، وتسمت قبائل بكاملها بآيت بوولي إلى يومنا هذا: «فلا غرابة في أن يتخذ ذلك الإنسان صورة الكبش إلها له، ولا غرابة أن تصحب تلك الصورة الإله ذلك الإنسان في نزوحه البطيء المستمر نحو الشمال وتتبعه للمناطق الرعوية في تقلصها23». وهذا ما يفسر استمرار تقديس الأمازيغ للكبش الذي يرمز للرب آمون ووجوده في كل عاداتهم وتقاليدهم إلى اليوم بجانب طقوسهم الدينية الحالية. ومن بين هذه العادات: «بوجلود» التي لا زالت تمارس إلى يومنا هذا بمناطق مغربية متعددة، حيث حكى لي أحد الأصدقاء أنه بقرية تسمى»تالوين» بسوس، مساء يوم عيد الأضحى يقوم أحد الأشخاص (غالبا من الشباب) بارتداء جلد الخروف، ويحمل أرجله بيديه، ثم يخرج الشباب في موكب مرح وبهيج وهم يهرولون (كما نرى في عادة الثور الإنساني) يتبعهم بوجلود، فكل من لمسه برجل الخروف، عليه أن يؤدي مبلغا من النقود تيمنا بهذا وطلبا للبركة. وفي نهاية الحفل، تجمع الهدايا التي تلقاها بوجلود وأصدقاؤه ليقام بها حفلان ليلتين متتاليتين على مسرح طبيعي على الهواء الطلق، ليلة خاصة بالشكايات وهن يرقصن»Aggan24» وليلة للشباب يقومون فيها برقصة «أحواش25». الملح : tisnet الملح مادة معدنية، لها عدة استعمالات في المطبخ، المصنع... كان الأمازيغ القدماء يستخدمونه في حفظ و تخزين الأطعمة كالأسماك والزيتون26، كما استعمله المصريون في حفظ جثثهم لاعتقادهم أن عبور الجسد بصورته الكاملة إلى الحياة الأخرى هو أرقى ما يمكن أن يحققه الإنسان في الخلود: «ويشكل الاحتفاظ بجسده الصورة المثالية للعبور نحو الأبدية27». كما قاموا بتمليح الخضر واعتبروها أفضل الأطعمة28، وتمليح الأطعمة انتشر قديما في شمال إفريقيا على نطاق واسع، نظرا للجفاف والتصحر الذي يهدد الصحراء مند القديم: «في السنة التي لا يفيض فيها النيل تحل الكارثة29». إن ارتباط الملح بالماء وبآمون نجد له سندا عند Mark.k الذي يقول:»و في العام 1352ق.م، مات الفرعون توت غنج آمون في سن الثامنة عشرة، واكتشف قبره في العام 1922 ويعتبر أشد القبور تنظيما وأكثرها حفظا على الإطلاق. لقد زود القبر بسكين البرونز لأداء الطقس الرمزي لقطع حبل السرة، وأحيط بأربع مزارات يحتوي كل منها كؤوسا مملوءة بمادتين أساسيتين في حفظ المومياوات: زيت الراتينغ وملح النظرون30» ونستخلص من هذا النص ما يلي: ـ إن طقس حفظ الموتى الذي استخدم فيه الملح، خصوصا في جثة الفرعون غنج آمون، يحمل أكثر من دلالة عندما نربطه بمعبد الرب آمون الموجود بواحة Aghormi ب Siwa التي تفور عيونها بالملح: «ملح تفور به عيون المياه في سيوة31»، فإضافة إلى الوظيفة المادية للملح الذي يحفظ الجثة من التحلل، هناك وظيفة دينية تتمثل في التيمن به، خصوصا وأن النص يذكر لنا وجود كؤوس مملوءة بملح النطرون. وإذا ما ذهبنا مع فرضية الأصول المشتركة لكل مكان شكال إفريقيا- قديما- بما فيها مصر32، فإنه لا زالت تمارس عدة عادات من طرف الأمازيغ إلى يومنا هذا تلتمس لها تفسيرا: - وضع الملح على دم الذبيحة (خصوصا يوم عيد الأضحى)، وضع الملح في الماء لمن أراد أن يستحم قبيل الغروب، وضع سرة من الملح في يد أو عنق الرضيع طردا للنحس واتقاء لغضب قوى الشر... كما تعتبر رمزا لربط ميثاق أو علاقة طيبة أو تحالف بين الأفراد والجماعات، حيث أن ثقافتنا الشعبية لا زالت زاخرة بما يفيد بتبجيل هذه المادة التي يشترك فيها على مائدة الطعام مجموعة من الأشخاص فيقولون: « N.cur.tisinet » أو "شركنا الملحة" وهذا يشير إلى استمرار تعظيم هذه المادة في المتخيل الأمازيغي إلى يومنا هذا. على المستوى الاقتصادي: قديما شكل الملح مادة للتبادل التجاري لدى الأمازيغ، تحملها القوافل وتقطع بها مسافات طويلة عبر الصحراء، لتصل بها إلى أبعد المناطق. كما بينت مدينة كاملة بصخور الملح وهي «33 taghaza » يقطنها العمال الذين يقومون بحفر واقتلاع صخورها (وربما taghaza جاءت من فعل ighza في الأمازيغية الذي يعني حفر، حيث مصدره المتداول عندنا هو Taghuzi) التي تحمل على ظهور الجمال إلى "تمبكتو" ثم إلى باقي المناطق الأخرى. ـ كما اشتهرت منطقة الفزان le fezzan الليبية منذ القدم باستخراج الملح الذي يحمل على عربات تجرها الخيول إلى مصر والبحر المتوسط:»وكتب هيروتس عن استخدامهم للأحصنة وعربات الحرب تجرها الخيل، التي تعتبر من الأمور غير المألوفة حينها، والأكثر غرابة، هو استعمالهم الخيل لنقل الملح. في القرن الثالث قبل الميلاد، اشتهرت فزان كمنطقة لإنتاج الملح، ولم يكتف أهلها بكشط الملح وجمعه من السبخات الجافة، وعملوا على غلي القشرة المترسبة في القيعان لإنتاج بلورات صافية، راكموها على هيئة أسطوانات بيض بارتفاع متر تقريبا، وحمل التجار الفزانيون هذه الأشكال الذكورية، بعد لفها بعناية في حصر من قش ونقلتها القوافل عبر الصحراء، ولا يزال الملح ينتج وينقل بهذه الطريقة في أقسام واسعة من الصحراء الإفريقية راهنا34». نستنبط من النص ما يلي: -استعمل الفزانيون الخيل لجر عربات حربية خصوصا لنقل الملح، يدل على عراقة إنتاج الملح بفزان، وعلى أسبقيتها باقي أرجاء الصحراء الكبرى. -ترجع أقدم الرحلات الإفريقية بالصحراء الكبرى إلى ألف سنة قبل الميلاد، استعملت خلال – كما سبقت الإشارة- عربات تجرها الخيول- أما الحمل فلم يحل محل الحصان في أداء هذه المهمة إلا حوالي 300ق.م لكون الجمل أشد صبرا على تحمل مشاق السفر وعبور الصحراء. -تفنن الفزانيون في طرق استخراج الملح، حيث لم يكتفوا بحفر الصخور الموجودة في السبخات، بل قاموا بغلي القشرة المترسبة في القيعان للحصول على ملح أكثر صفاء و نصاعة، جمعوه على أشكال أسطوانية و قاموا بتصديره. هذا يبرز عراقة تعاملهم مع هذه المادة من جهة و على بحثهم عن ملح جيد يواكب التنافسية الموجودة في أسواق الملح آنذاك. -الأشكال»الذكورية» التي تحدث عنها النص تعطي للملح إحالات تدل على الخصوبة والشبقية، خصوصا إذا علمنا أن خبز الفقراء قديما- في مصر- لا يحتوي على الملح. إذن فالملح كانت له عدة وظائف في حياة الإنسان القديم مادية وروحية: -طهي الطعام، حيث اعتبر ملح»النطروف» الذي يحضر به كعك إفريقي يسمى»كونو» مفيدا للمرضعات ومقويا جنسيا للذكور. -حفظ الأطعمة الذي أملته ظروف الجفاف القاسية ومتطلبات الأسواق التجارية في ذاك العصر. -تخيط الجثث حتى تعبر إلى الحياة»الأبدية»بأكمل صورة. -استعمال أيضا مادة للبناء – مدينة تاغازا- و للتبادل التجاري حيث كان يقايض بالذهب.
تاريخ ليبيا القديم الدكتور : إياد يونس لقد عرف قدماء المصريين الشعوب التي تقطن إلى الغرب من مصر بالليبيين . كانت القبيلة الليبية التي تعيش في المنطقة المتاخمة لمصر هي قبيلة الليبو (LIBU) الأمازيغية. وقد ورد ذكر هذه القبيلة لأول مرة في النصوص المصرية التي تنسب إلى الملك مرنبتاح (Merneptah) من الأسرة الفرعونية التاسعة عشرة (القرن الثالث عشر ق.م.). ومن اسمها اشتق اسم ليبيا وليبيين. وقد عرف الإغريق هذا الاسم عن طريق المصريين ولكنهم أطلقوه على كل شمال أفريقيا إلى الغرب من مصر، وقد بلغ بعض القبائل درجة من القوة مكنها من دخول مصر وتكوين أسرة حاكمة هي الأسرة الثانية والعشرون، التي حكمت مصر قرنين (من القرن العاشر إلى القرن الثامن ق . م ) وقد استطاع مؤسس تلك الأسرة الملك شيشنق توحيد مصر، و إجتياح فلسطين. بدأ اتصال الفينيقيين بسواحل شمال أفريقيا منذ فترة مبكرة حيث سيطروا على البحر المتوسط واحتكروا تجارته وكانوا عبورهم البحر بين شواطىء الشام وإسبانيا ليجلبوا منها الفضة والقصدير. وكانوا يبحرون بمحاذاة الساحل الغربي من خوفا من هباج البحر. فكانت سقنهم ترسو على الشواطىء الليبية للتزود بما تحتاج إليه أثناء رحلاتها البحرية الطويلة . وقد أسس الفينيقيون مراكز ومحطات تجارية كثيرة على طول الطريق من الشام بالشرق إلى إسبانيا في الغرب. وعلى الرغم من كثرة هذه المراكز والمحطات التجارية لكن المدن التي أنشأوها وأقاموا بها كانت قليلة لأنهم كانوا تجارا لا مستعمرين. وكان من أسباب إقامة المدن التي استوطنها الفينيقيون في شمال أفريقيا تزايد السكان وضيق الرقعة الزراعية في الشام(فينيقيا) وطنهم . والصراع ببلادها لغارات الآشوريين والفرس ثم الإغريق. امتد نفوذ الفينيقيين إلى حدود برقة (قورينائية). وأسسوا بعض المدن المهمة كطرابلس ولبدة، و صبراته. وقد ازدهرت تجارة الفينيقيين على الساحل الغربي من ليبيا وذلك لسهولة الوصول إلى أواسط إفريقيا الغنية بمنتجاتها الثمينة كالذهب والأحجار الكريمة والعاج وخشب الأبنوس و الرقيق، وكانت أهم طرق القوافل تخرج من مدينة جرمة التي كانت مركزا هاما لمنتجات أواسط إفريقيا التي كانت تنقلها القوافل عبر الصحراء إلى المراكز الساحلية حيث تباع للفينيقيين مقابل المواد التي كانوا يجلبونها معهم . واستمر الجرماتيون مسيطرين على سوق التجارة بليبيا أكثر من ألف سنة . كان الفينيقيون والإغريق في علاقات تجارية معهم. لمن الرومان حاولوا إخضاع الجرماتيين بالقوة للسيطرة على تجارة وسط إفريقيا. لكنهم فشلوا وهادنوا الجرماتيين . واستمر وجود الفينيقيين وازداد نفوذهم في شمال إفريقيا خاصة بعد تأسيس مدينة قرطاجة في عام 814 ق.م. ). وأصبحت قرطاجة أكبر قوة سياسية وتجارية في حوض البحر المتوسط الغربي، وسادها الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي فترة طويلة . دخلت بعدها في صراع مرير مع روما لما وصلت إليه تلك المدينة الفينيقية من قوة وثراء. فشن الرومان عليها الحروب المضنية . تكبد فيها الطرفان الكثير من الأرواح والأموال، وهي الحروب التي عرفت في التاريخ بالحروب البونية. بعدها استطاعت روما تحقيق أهدافها بتدمير قرطاجة تدميرا شاملا سنة (146 ق.م.) وأخضع الرومان كل ممتلكات قرطاجة بما فيها المدن الليبية الثلاث طرابلس ولبدة وصبراتة. أما السواحل الشرقية من ليبيا (برقة - قورينائية)، فكانت من نصيب المستعمرين الإغريق. شرق ليبيا الإغريقي حيث أنشأ المهاجرون الإغريق علي ساحل برقة مستعمراتهم حيث لا تبعد كثيرا عن بلادهم. وبدأ الاستعمار الإغريقي لإقليم قوريني (برقة) في القرن السابع ق . م عندما أسسوا مدينة قوريني ( شحات ) سنة (631 ق . م) وكان باتوس الأول هو أول ملك إغريقي للمدينة، و توارثت أسرته الحكم في قوريني لفترة قرنين . و لم يكن عدد المهاجرين الأوائل الإغريق كبيرا ويقدرون بحوالي مائتي رجل .و في عهد ثالث ملوك الإغريق بقوريني باتوس الثاني نزحت أعداد كبيرة من المهاجرين الإغريق واستقرت في الإقلي . مما جعل الليبيين، يدخلون في حرب مع الإغريق من أجل الدفاع عن وجودهم وأراضيهم التي طردهم المستعمرون منها ومنحوها للمهاجرين الجدد. وعلى الرغم من طول فترة حكم أسرة باتوس الأول إلا أنها لم تشهد الاستقرار بسبب الهجمات التي كانت القبائل الليبية تشنها على المستعمرات الإغريقية في المنطقة الساحلية. ،في عهد أركيسيلاوس الثاني _ رابع ملوك قوريني _ ترك بعض الإغريق مدينة قوريني ليؤسسوا مع الليبيين مدينة برقة (المرج) . ولما ازداد عدد المهاجرين الذين أتوا إلى مدينة قوريني .أرسلت تلك المدينة بعضا منهم لإنشاء بعض المحلات ( المساكن) القريبة من الشاطىءالتي كانت من بينها المحلة التي أنشئت مكانها طوخيرة (توكرة). وأسست مستعمرة أخرى هي مدينة يوهسيبريديس (بنغازي). وكما كان لقوريني ميناء أبولونيا (سوسة)، فإن مدينة برقة هي الأخرى أنشأت ميناء لها في موقع بطولميس (طلميثة) .وعندما احتل الفرس مصر، بعث ملك قوريني سفارة إلى الملك الفارسي معلنا خضوع إقليم قورينائية . واستمرت تبعية الإقليم لمصر وواليها الفارسي وان كانت في الغالب تبعية اسمية. وفي 440 ق.م. قتل أركيسيلاوس الرابع، آخر ملوك أسرة باتوس، في يوهسيبريديس، وأصبحت قورينائية تضم مدنا مستقلة عن بعضها البعض وعانى الإقليم من الاضطرابات السياسية، وازدياد خطر هجمات القبائل الليبية و كانت تلك المدن تتصارع فيما بينها إلى أن غزا الإسكندر المقدوني مصر (332 ق .م.) واستولى البطالمة الذين خلفوه في حكم مصر على إقليم قورينائية (332 ق.م.). و ساد به الهدوء النسبي وأصبحت مدن الإقليم تعرف جميعا باسم بنتابوليس، أي أرض المدن الخمس حبث تكون اتحاد إقليمي يضمها ويتمتع بالاستقلال الداخلي. وبقيت قورينائية تحت الحكم البطلمي حتى تنازل عنها لروما سنة (96( ق.م.
نوميديا الدكتور: إياد يونس نوميديا هي مملكةامازيغية قديمة قامت في غربشمال افريقيا ممتدة من غرب تونس الحلية لتشمل الجزائر الحالية وجزء من المغرب الحالي, وكانت تسكنها مجموعتين كبيرتين, احداهما تسمى: المازيليون, في الجهة الغربية من مملكة نوميديا, وهم قبيلة تميزت بمحالفة الرومان والتعاون في ما بينهم ضد قرطاج, اما القبيلة الأخرى فكانت تسمى بالمسايسوليون وهم على عكس المازيليين كانوا معادين لروما متحالفين مع قرطاج وكان موطنهم يمتد في المناطق الممتدة بين سطيفوالجزائر العاصمةووهران الحالية. وكان لكل قبيلة منهما ملك يحكمها اذ حكم ماسينيسا/ماسينيزا على القبيلة المزيلية في حين حكم سيفاكس على المسايسوليين. تاريخ تأسيسنوميديا: لا يعرف تاريخ تأسيس مملكة نوميديا على وجه التحديد, فبعض المصادر القديمة سواء المصرية الفرعونية او اللاتينية اشارت الى وجود ملوك امازيغ في شمال افريقيا, بحيث تروي بعض الروايات الأسطورية او التأريخية ان الأميرة الفنيقية أليسا المعروفة بديدو ابتسمت باغراء لأرضاء الملك الأمازيغي النوميدي يارباس ليسمح لها بالأقامة في مملكته, وهو ما رواه المؤرخ اللاتيني يوستينيوس نقلا عن غيره. كما اشارت بعض المصادر اللاتينية ان كلا من الملكين الأمازيغيين: يارباس ويوفاس رغبا في التزوج بالأميرة الفينيقية أليسا, كما اشار الشاعرفيرخيليوس الى ان يارباس كان يفرض زواجه على أليسا كما كان يقدم القرابين لأبيه جوبيتر-آمون في معابده الباهرة ليحقق له امنيته. غير ان هذه الأساطير ليست دقيقة فالأستاذ محمد شفيق يتساءل عما اذا كان المقصودون هنا هم زعماء القبائل. وحسب الأستاذ نفسه فأنه من المحقق انه كان هناك ملوك للأراضي النوميدية, وان جل المؤرخين يعتقدون ان أيلماس هو المؤسس لمملكة نوميديا, وللأشارة فان الملك ماسينيسا الذي ينتمي الى اسرة أيلماس كان يطالب باسترداد اراضي اجداده في حربه ضد قرطاج ومملكة موريطانيا الطنجية (شمال المغرب) مدعوما بروما. نوميديا في عهد ماسينيسا: يعتبر ماسينيسا اشهر الملوك النوميديين, اذ تميز بقدراته العسكرية بحيث تمكن من هزم خصمه الأمازيغي سيفاكس, كما تمكن من هزم حنبعل القرطاجي اعظم الجنيرالات التاريخيين, في معركة زاما بتونس الحالية سنة 202 قبل الميلاد. ولربما لأسباب عاطفية تكمن في تزوييج القرطاجيين خطيبته : صوفونيسا لخصمه المسايسولي سيفاكس, رافعا شعاره الشهير: افريقيا للأفارقة, متحالفا مع روما, عاملا على تأسيس دولة امازيغية قادرة على مواجهة التحديات الخارجية. وفي عهده برزت نوميديا في ميادين عسكرية وثقافية متبعا التقاليد الأغريقية في ما يتعلق بالطقوس الملكية, ومتبنيا الثقافة البونيقية في الميادين الثقافية. كما جهز الأساطيل ونظم الجيش وشجع على الأستقرار وتعاطي الزراعة وشجع التجارة الشيء الذي جعله يعتبر ابرز الملوك الأمازيغ القدماء. نوميديا بعد ماسينيسا: ماسينيسا الذي بلغ من الكبر عتيا لم يأخذ بالحسبان المطلوب القوة الرومانية ، كما انه لم ينظم امور الملك, فبعد وفاته قامت صراعات بين ابنائه لحيازة العرش, فتدخل الرومان ووزعوا حكم نوميديا التي اصبحت الخطر القادم بعد انهيار قرطاج, على ثلاثة من ابائه, ونصبوا مسيبسا حاكما لنوميديا وعمل على مد جسور العلاقات الودية مع روما, في حين جعل اخوه غيلاسا قائدا للجيش, بينما جعل الأخ الثالث: ماستانابال القائد الأعلى في مملكة نوميديا, غير ان ميسيسا سينفرد بالملك بعد وفاة اخوته في وقت مبكر. نوميديا بعدميسيبسا: بعد وفاة ميسيبسا سيندلع ايضا صراع بين ابناء ميسيبسا وهم: هيمبسلوأدهربل واحد ابنائه الذي هو حفيد لماسينيزا, وعلى غرار التجربة الأولى عملت روما على التدخل لتوزيع مملكة نوميديا قصد اضعفها غير ان يوغرطا تميز بقوميته على غرار جده ماسينيسا حالما بأنشاء مملكة نوميدية امازيغية قوية, بعيدة عن تأثير القوة الرومانية. بعد الصراع بين ابناء ميسيبسا تمكن يوغرطا من القضاء عليهم, ومن مدينته سيرطا التي اختارها كمنطلق لحروبه ضد الرومان كبد روما خسائر كبيرة في جنودها حتى بدا وكأن الفوز سيكون لا محال من نصيب يوغرطا, غير انه وحسب الروايات المتداولة قام احد ملوك موريطانيا الأمازيغ التي وجدت في منطقة المغرب الحالي وهو بوشوس غدر به في فخ روماني, وبذلك تم القبض عليه وسجن الى تمكن منه الموت. نوميديا بعد هزيمة يوغرطا: بعد هذه الهزيمة اصبحت شمال افريقيا غنيمة في يد الرومان, وبدل جعلها عمالة تابعة لروما, نصبوا ملوكا امازيغا على شرط قيامهم بمد روما بالثروات الأفريقية, وبذلك تم تقسيم مملكة نوميديا الى ثلاثة مماليك, استأثر فيها بوشوس بالجزء الغربي جزاء عمالته, في حين حصل غودا على الجزء الشرقي, اما ماستانونزوس فقد حصل على الجزء الأوسط من مملكة نوميديا الموزعة. نوميديا فيعهد يوبا الأول: بعد خلفاء بوشوس الذين تميزوا باقامات علاقات ودية مع روما, ظهر ملك امازيغي نوميدي آخر, وهو حفيد ليوغرطا وكان اسمه يوبا الأول. هذا الآخير حلم على نهج اجداده يوغرطا وماسينيزا لبناء دولة امازيغية نوميدية مستقلة تكفيهم التدخلات الأجنبية. وفي سنة 48 قبل الميلاد بدت الفرصة سانحة لتحقيق هذا المأرب, ذلك ان صراعا قام بين بومبيوسوسيزر حول حكم روما. واعتقد يوبا الأول ان النصر سيكون حليفا لبوميوس وراهن على حلف بينهما غير ان النصر كان مخالفا لتوقعات يوبا الأول وتمكن سيزر من هزم خصمه بومبيوس. ففي سنة 48 قبل الميلاد تمكن الجنود الرومان وجنود كل من بوشوس الثانيوبوغود الثاني من تحقيق نصر مدمر ضد جيوش يوبا الأول وبومبيوس. وعلى الرغم من تمكن يوبا الأول من الفرار الى انه انتحر بطريقية فريدة دعا فيها احد مرافقيه من القادة الرومان الى مبارزة كان الوت فيها حليفا لكل منهما. نوميديا كمقاطعةرومانية: بعد هزيمة يوبا الأول فقدت نوميديا استقلالها السياسي, وكانت نهايتهاعام 46 ق.م بعد مرور مائة سنة على ذكرى قرطاجةسنة 146 ق.م وبهذا دخلت نوميديا فترة جديدة وهي فترة الحكم الروماني.
نوميديا في عهديوغرطا:
ماسينيسا الدكتور : إياد يونس يعتبر ماسينيسا أهم ملوك دولة نوميديا الأمازيغية، ولد في سنة238 قبل الميلاد، وهو ابن گايا بن زيلالسان بن أيليماس. وهو من مواليد قسنطينة الجزائرية التي حولها إلى سيرتا فاتخذها عاصمة لحكمه في منطقة الشرق الجزائري. وقد كرس حياته الطويلة لخدمة الأمازيغيين الذين زرع فيهم حب الوفاء والعمل والإخلاص. واستغل ظروف الحرب البونيقية (264-146قبل الميلاد) التي كانت تدور بين الرومان و القرطاجنيين ليسهر على توحيد الأمازيغيين في صف واحد وفي مملكة واحدة وتحت سلطة سياسية وإدارية واحدة.. وقد تولى ماسينيسا حكم نوميديا بعد أن انتصر على الملك صيفاقس الماسايسولي حليف قرطاجة، وقام بأسره حتى يحصل على دعائم ملكه. ومن المعروف أن ماسينيسا كان يمتلك مؤهلات حربية قوية وخبرة كبيرة في تسيير الحروب والتخطيط لها. وتوفي ماسينيسا حوالي 148 قبل الميلاد عن سن تجاوزت التسعين من عمره بعد أن بقي في عرشه مدة طويلة ما يقرب من ستين سنة من حوالي 205 إلى 148ق.م. ويوجد قبره إلى حد الآن في مدينة الخروب في ضواحي قسنطينة التي كانت تسمى سيرتا قديما. شكل الملك ماسينيسا جيشا أمازيغيا قويا بعد أن وحد كل قبائل شمال أفريقيا الموجودة في القسم الأوسط ضمن مملكة أمازيغية موحدة وهي مملكة نوميديا . ويعرف على سياسة ماسينيسا أنها تعتمد في جوهرها على الحنكة والتجربة والذكاء والخبرة في التعامل الدبلوماسي مع الدول القوية كما يظهر ذلك واضحا في مهادنتها للرومان، ولاسيما في مواجهتها للقرطاجيين الذين كانوا يعاملون البربر معاملة سيئة.وكان ماسينيسا يعترف بأحقية الأمازيغيين في استرجاع أملاكهم من القرطاجيين التي استلبوها من أجدادهم حسب ما أورده المؤرخ تيت ليف:" إن القرطاجيين أجانب في بلادنا، فقد استولوا غصبا على أملاك أجدادنا، ولذلك يجب أن نسترد منهم بجميع الوسائل ماانتزعوه منا بالقوة". وهذا ما دفع ماسينيسا ليتحالف مع الرومان كي يساندوه في معاركه الطاحنة مع جيرانه القرطاجنيين، فأسفرت تلك الحروب على هزيمة قرطاجنية شنيعة. وإليكم الشروط التي فرضتها روما على قرطاجنة المنهزمة: 1 - تعترف قرطاجنة بسيادة روما المطلقة حتى على إسبانيا؛ 2 - تسلم لها الأسطول والفيلة وتؤدي لها- فوق ذلك - غرامة حربية كذلك؛ 3 - تقيم ماسينيسا ملكا على نوميديا وتدفع له غرامة حربية كذلك؛ 4 - تأخذ قرطاجنة على نفسها ألا تعلن حربا، بعد، إلا بمشورة روما.". وهكذا، أصبحت قرطاجنة منهوكة ومستلبة الإرادة وضعيفة اقتصاديا وسياسيا تحت رحمة الملك ماسينيسا الذي كان حليفا للرومان في شمال أفريقيا. وكلما تلقى ماسينيسا الأوامر من حكومة روما إلا واستعد لمجابهة قرطاجنة، وقد كان من الأسباب غير المباشرة في القضاء على أقوى جنرال حربي في شمال أفريقيا القديمة ألا وهو القائد "حنبعل". وإذا كان صيفاقس حليف القرطاجيين بشكل كبير، فإن ماسينيسا كان عدوهم اللدود، وذلك بمساندة الرومان و الحاكم باگا ملك موريطانيا. وكما قلنا سابقا لقد استطاعأوگليد (الملك) ماسينيسا في فترة الحروب البونيقية التي كانت تدور رحاها بين الرومان والقرطاجنيين أن يوحد القبائل الأمازيغية تحت راية واحدة هي رايةسلطنة نوميديا، وعملة برونزية نحاسية واحدة، وكتابة قومية تسمى بكتابة تيفيناغ. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، من استفاد من هذه المناوشات والمعارك الطاحنة بين جيوش ماسينيسا وقوات قرطاجنة: هل هو ماسينيسا الذي يريد أن يحافظ على وحدة الشعب الأمازيغي بمهادنة الحكومة الرومانية والاستفادة من تشجيعاتها، أم حكومة روما التي استعملت ماسينيسا أداة لمجابهة قرطاجة وإضعافها قبل أي تدخل روماني قوي؟! وفي هذا يقول عبد الله العروي: " قد يتنازع المؤرخون إلى ما لانهاية حول السؤال التالي: هل استغلت روما ماسينيسا للقضاء على قرطاج أم بالعكس استخدم ماسينيسا روما لبناء دولة نوميدية قوية بقصد توحيد شمال أفريقيا بعد استيعاب الحضارة البونيقية؟ لكن الأمر المحقق هو أن كل المبادرات كانت بيد مشيخة روما، بعد انتهاء الحرب البونيقية الثالثة سنة202ق.م. كان الرومان يستطيعون في أي وقت توقيف أي حركة يشمون فيها خطرا على مصلحتهم ".ويذهب محمد شفيق إلى أن روما كانت تخطط للسيطرة على شمال أفريقيا من خلال ضرب الأمازيغيين بالأمازيغيين، وتسليطهم على الفينيقيين الموجودين بقرطاجنة لكي يفسح للحكومة الإيطالية المجال من أجل الانقضاض على كل الممالك الأمازيغية:" فبينما كانت كل مملكة من هذه الممالك الثلاث تحاول جمع الشمل في المنطقة الخاضعة لنفوذها، كانت الحروب تتوالى بين روما وقرطاجة، فنتج من ذلك أن كلا الطرفين المتحاربين صار يغري الأمازيغيين بالتحالف معه، ويستغل التنافس الذي يطبع علاقات الملوك بعضهم ببعض. وفي أثناء الحرب البونيقية الثانية استطاعت روما، بفضل معرفتها لمعطيات المجال السياسي الإفريقي، أن تكسب صداقة أشد الملوك حنقا على قرطاجة، وهو ماسينيسا، وأن تتحالف معهم، فكانت تلك المحاولة هي الثلمة الأولى التي تسربت منها الهيمنة السياسية الرومانية، شيئا فشيئا إلى مراكز الحكم في أقطار المغرب كلها؛ ذلك أن روما اتخذت جميع أساليب الترغيب والترهيب منهجية لها لإغراء الملوك الأمازيغيين بعضهم ببعض، في كل من امتنع أن يكون عميلا لها، واستمرت على تلك الخطة ما يقرب من قرنين، موسعة نطاق سيطرتها في اتجاه الغرب إلى أن قضت على الممالك كلها؛ ولم تبق بصورة شكلية، إلا على عرش موريطانيا. فأجلست عليه الأمير الأمازيغي الشاب يوبا بن يوبا الذي كانت قد أسرته، وهو صبي بعد التخلص من أبيه. فظل يوبا لها عميلا إلى أن توفي. فسار ابنه بطليموس على نهجه، إلى أن استدرجه ابن خالته، الإمبراطور الروماني" كاليگولا"Caligula إلى حضور احتفالات رسمية بمدينة" ليون" الغالية، حيث أمر باغتياله، سنة 40 م. وبموته انقرضت الممالك الأمازيغية القديمة." ولم تضعف مملكة ماسينيسا العظيمة إلا بوفاته في سيرتا بعد أمد طويل في الحكم، لتجعل روما سلطة نوميديا بين أبناء ماسينيسا، وۥتدخل نوميديا بعد ذلك في دوامة الحروب الأهلية استعدادا للسيطرة كليا على تامازغا. من أهم منجزات ماسينيسا أنه وحد القبائل والممالك الأمازيغية تحت شعار: " أفريقيا للأفارقة"، خاصة القبائل التي كانت تسكن بين منطقتي طرابلس الليبية شرقا ونهر ملوية غربا. وبذلك أسس ما يسمى بمملكة نوميديا الكبيرة المستقلة عن الحكم القرطاجني وأصبح ملكا لها يحمل لقب" أگليد"(الملك باللغة الأمازيغية). وكانت تطلق كلمةنوميديا في تلك الفترةعلىالقسم الأوسط من أفريقيا الشمالية، وتنقسم بدورها إلى قسمين: نوميديا الشرقية أو "ماسولة"، ونوميديا الغربية أو "مازيسولة"، يفصل بينهما نهر الشليف الحالي الموجود بالجزائر. أما موريطانيا فكانت تطلق في تلك الفترة على القسم الغربي من شمال أفريقيا والممتد من نهر ملوية الحالي حتى المحيط الأطلسي غربا. وقد اتخذ اسمه من اسم القبائل المورية الأمازيغية التي كانت تعيش هناك، بينما يوجد في شرق مملكة نوميديا أفريكا التي كانت تجمع بين ليبيا وتونس على حد سواء. ومن أسباب توحيد مملكة نوميديا أن ماسينيسا كان يعتمد على أسس السياسية التقليدية كالاعتماد على المصاهرات والتعاقد مع زعماء القبائل واستغلال الشعور الوطنيالمبني على الهوية الأمازيغية وإيقاظ المشاعر الدينية في خدمة الشعور الوطني والاعتماد على الحروب عند الضرورة القصوى. كما أن "الأداة الأساسية لتحقيق هذا المشروع السياسي (توحيد الدولة) هو الجيش، الذي أحكم تنظيمه ليشتهر ببسالته وإمكانياته الحربية. والملاحظ أن الأمازيغ النواميد تحلوا بالانضباط والتمسك بالملكية، بحيث سادت في أوطانهم عبادة الملك- الإله وانتقل الحكم وراثيا في بيت ماسينيسا". ومن جهة أخرى، أرسى ماسينيسا مملكة أمازيغية عاصمتها سيرتا (قسنطينة) بناها في منطقة مسيجة بالجبال المنيعة وهي جبال الأوراس العتيدة. وقد جعل للمدينة أسوارا وحصونا، وقسم المدينة إلى أحياء سكنية وتجارية ومرافق عمومية وإدارية ودينية. وقد تأثر ماسينيسا في بناء مدينتهبالحضارة القرطاجنية والحضارة اليونانية. وعمل ماسينيسا أيضا على وضع أبجدية أمازيغية ليبية محلية تسمى بكتابة تيفيناغ متأثرا في ذلك باللغة الفينيقية الكنعانية والحروف البونيقية القرطاجنية. ومن أسباب إقبال الأمازيغيين على اللغة الفينيقية الكنعانية التقارب العرقي والوجداني واللغوي بين اللغتين: تيفيناغ واللغة الفينيقية الكنعانية (لغة الشام). وفي هذا يقول عبد الرحمن الجيلالي في كتابه:" تاريخ الجزائر العام":" لقد أقبل البربر على اللغة الكنعانية الفينيقية، عندما وجدوا ما فيها من القرب من لغتهم وبسبب التواصل العرقي بينهم وبين الفينيقيين". ومن الناحية الاجتماعية، لقد حفز ماسينيسا الأمازيغيين البدو والرعاة على الاستقرار في المدن و الضواحي والقرىلخلق اقتصاد زراعييعتمد على الحبوب والفواكة والثمار؛ مما جعل القطاع الزراعي يعرف فائضا في الإنتاج بسبب التأثر بتقنيات الزراعة المستوردة من اليونان وإيطاليا. ومن ثم، يلتجئ ماسينيسا إلى تصدير ذلك الفائض لتعويض النقص الذي يعاني منه على مستوى الواردات. ومن هنا نقول بأن ماسينيسا هو الذي حضّر شعبه وأخرجه من البداوة إلى المدنية والاستقرار الاجتماعي، وفي هذا يقول بوليب:" هذا أعظم وأعجب ما قام به مسينيسا، كانت نوميديا قبله لافائدة ترجى منها، وكانت تعتبر بحكم طبيعتها قاحلة لاتنتج شيئا، فهو الأول الوحيد الذي أبان بالكاشف أن بإمكانها أن تدر جميع الخيرات مثل أية مقاطعة أخرى، لأنه أحيى أراضي شاسعة فأخصبت إخصابا". ولتحريك العملية الاقتصادية والتجارية داخل مملكة نوميديا، فرض ماسينيسا الجبايات والضرائب على السكان، وفتح مملكته للتجار اليونانيين، و سك عملة نقدية نحاسية وبرونزية تحيل على الرغبة في الاستقلال والتعبير عن قوة مملكة نوميديا سياسيا واقتصاديا. ويشير وجه العملةإلى رأس ماسينيسا وفوقه تاج الملك والسيادة وخلفه صولجان الحكم، وأمام وجهه تتدلى سنبلة قمح. وتحيل هذه العلامات السيميائية على السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية، وتعبر عن عظمة مملكة نوميديا السياسية وتقدمها الاقتصادي. كما يظهر لنا من خلال قراءتنا لمكونات العملة مدى تأثر ماسينيسا بالحضارة الإغريقية المقدونية. لقد تعلم الفينيقية و أتقنها أيام كان بقرطاجنة في صباه فكان ولوعا بها اتخذها لغة رسمية و نشرها في مملكته ومن جهة أخرى، يحمل ظهر العملة النقدية ثلاثعلامات أيقونية بصرية: حصان أمازيغي رشيق، وصولجان الحكم، وكتابة تيفيناغ. وتحيل هذه الدوال الرمزية على قوة الملك السياسي، وشجاعة الإنسان الأمازيغي الفارس وشهامته في الحروب والمعارك ضد المحتل، بينما تشير الكتابة إلى الخاصية الحضارية التي تتميز بها مملكة نوميديا القوية التي تتجلى في اعتمادها على كتابة تيفيناغ في تسيير دواليب الدولة وتدبير مرافقها السياسية والتربوية والعسكرية والاقتصادية. كما يتبين لنا أن الملك ماسينيسا كان يحمل الصولجان ويضع على رأسه العرش ويحيط رأسهبحبات القمح على غرار التاج اليوناني الهليني. وفيما يتعلق بالمجال العسكري، فقد كان ماسينيسا قائدا حربيا محنكا ورجلا عسكريا مدربا على أحدث الطرق الحربية المنظمة وخاصة الطريقتين: الرومانية و اليونانية.وهذا ما دفعه ليعد جيشا أمازيغيا موحدا عتيدا يجمع بين المشاة والفرسان، كما كان يملك أسطولا تجاريا قويا يساهم في إثراء المبادلات التجارية بين الشعوب الأخرى، وكان يتوفر أيضا على أسطول بحري عتيد للدفاع عن حدود نوميديا. وعلى المستوى الخارجي، ربط ماسينيسا علاقات ودية مع روما عدوة قرطاجنة، ومع اليونان التي كان يجلب منها العلماء والخبراء والفنانون والأدباء. هذا، وقد انتشرت في عهد ماسينيسا" الثقافة البونية بين الأمازيغيين أكثر من ذي قبل، مع معاداته لقرطاجة، وقدم العاصمة" قيرطا/ سيرتا" عدد من الأدباء والفنانين اليونان، وجعلوا منها مدينة راقية في حياتها المادية والفكرية. كان الملك نفسه معجبا بالحضارة اليونانية، وكان يعمل بتقاليد الملوك اليونانيين، فأكل في الآنية الفضية والذهبية، واتخذ جوقة من الموسيقيين الإغريق. ولاشك أن التجار اليونانيين كانوا يروجون بضاعتهم بفضل ولوعه بكل ماهو يوناني.". وعلى العموم، فلقد حقق ماسينيسا إنجازات سياسية واقتصادية وثقافية وحضارية كبيرة لصالح الأمازيغيين وصالح تامازغا. و كان ماسينيسا ملكا ذكيا ودبلوماسيا محنكا في تعامله مع الشعوب القوية كالرومان واليونان. واستطاع بدهائه أن يؤسس مملكة نوميديا، وأن يوسع أطرافها على حساب قرطاجنة، وأن يدافع عن هوية الأمازيغيين ولغتهم وكتابتهم " تيفيناغ" التي هي رمز حضارتهم وأس كينونتهم الوجدودية وعنوان ذاكرتهم التاريخية. خاتمة: وفي الأخير، لم يتحقق لماسينيسا ما كان يحلم به كثيرا، أي أن يوسع مملكته على حساب قرطاجنة وموريطانيا. ولقد توفي هذا البطل الشهم قبل أن تنهار قرطاجنة التي كان ينتظر الفرصة السانحة للانقضاض عليها وضمها إلى مملكته الواسعة الأطراف. فلما أحس الرومان بما كان يطمح إليه ماسينيسا ألا وهو توسيع مملكة نوميديا على حساب جيرانه الأعداء، وتقوية نفوذ سلطته شرقا وغربا، سارعت الحكومة الإيطالية إلى تقسيم عرش ماسينيسا بين أولاده الثلاث، وهم: ماسيبسا الذي تولى السلطة الإدارية، و مستعنبعل الذي تكلف بالشؤون القضائية، و غولوسن الذي كان يهتم بالشؤون العسكرية. وقد تم توزيع السلطات بين أبناء ماسينيسا الثلاثة بحضور الحكومة الرومانية في شخص قائد جيوشها الجرارة سيبيون الإيميلي الذي حاصر قرطاجة، وجاء ليعلن تبعية مملكة نوميديا للعاصمة روما. 2- تطور مقاومة ماسينيسا :
3- مظاهر الحضارة الأمازيغية في عهد ماسينيسا:
شعائر الموت ومعتقداته عند السوريين القدماء الدكتور : إياد يونس ثمة شيئان لا يمكن للمرء أن يحدق فيهما، الشمس والموت، والموت ضمن المنظور الإنساني يبدو أنه غير محبذ، لا بل يتم تجاهله كونه يشكل مصدر الخوف من المجهول. ومعلوم أن للخوف أذنين كبيرتين وعينين أيضاً. الأولى: ساحلية على امتداد البحر المتوسط. الثانية: على طول الإنهدام السوري ـــ الافريقي الممتد من جنوب وشرق أفريقيا مروراً بالبحر الأحمر ثم وادي عربة ثم وادي الليطاني فوادي العاصي شمالاً. وحتى الان يبدو أن أقدم آثار لإنسان ماقبل التاريخ خارج أفريقيا عثر عليها في سورية، في موقع «ست مرخو» قرب اللاذقية. كما عثر على آثار لهذا الإنسان في موقع خطاب قرب حماة على العاصي وموقع العبيدية في فلسطين الذي يؤرخ بحدود 700.000 سنة حيث عثر هنا على أجزاء من هياكل عظمية إنسانية هي الأقدم في المشرق العربي. .ويصل يونغ للقول: كل إنسان متمدن مهما بلغت درجة نمو وعيه، لم يزل إنساناً قديماً في الطبقات السفلى من كيانه النفسي. فكما أن الجسم البشري يوصلنا بالثدييات ويكشف لنا عن بقايا كثيرة من تطور مراحل أولية ترجع إلى عصر الزواحف، فكذلك النفس البشرية نتاج تطور إن تابعنا أصوله تكشّف لنا عن عدد لاحصر له من السمات القديمة .مجتمعات النياندرتال في المشرق العربي القديم 100000 سنة خلت:عاش النياندرتاليون في المشرق العربي في الكهوف والمغائر واستطاعوا أن يكيفوها حسب احتياجاتهم وحوائجهم، كما استخدموا النار وصنعوا الأسلحة الصوانية ومارسوا الصيد عبر رجالهم، أما نساؤهم فكن يلتقطن لبذور والثمار والجذور الصالحة للطعام، كما كن يصنعن الملابس من جلود الحيوانات .وقد أدى تطور البنية الدماغية لديهم إلى وعي لظاهرة الموت، لا بل أضحى مشهد موت إنسان يدهشهم عبر انتقاله المفاجئ من كائن مدرك وواعٍ، دافئ وممتلئ بالحيوية، إلى جثة ساكنة وباردة وشاحبة وقابلة للتعفن، مما أصابهم بالصدمة الأولى، وهذا ما دفعهم إلى مواراة الجثة في التراب، وإجراء الدفن المتعمد والإرادي، لأول مرة في تاريخ الوجود البشري. وقد بدا أن التطور الروحي الذي بلغه إنسان النياندرتال تجاوز ما بلغه في الحياة الاقتصادية . وأدت التنقيبات الأثرية إلى العثور على مواقع نياندرتالية عدة في المشرق العربي ولعل أهمها: موقع مغارة الديدرية قرب حلب:يؤرخ هذا الموقع بحدود 100.000 سنة حيث عثر فيه على حوالي 70 قطعة عظمية بشرية تعود لهياكل نياندرتالية مختلفة. وفي مطلع التسعينيات، تم العثور على هيكل عظمي لطفل عمره سنتان وطوله 82 سم حيث دفن في حفرة مستلقياً على ظهره، أما يداه فممدودتان وقدماه مثنيتان وعثر تحت رأسه على بلاطة حجرية كما على صدره فوق قلبه ويعود تأريخه إلى حوالي 100000 سنة. وفي عام 1997 عثر على هيكل عظمي لطفل ثانٍ بالعمر نفسه، وقد دلت طرق الدفن على أسلوب منظم ومدروس ويرقى إلى حوالي 80000 سنة، وهذا الكشف المهم يمثل حتى الآن أقدم عملية دفن للموتى في التاريخ البشري. وفي فلسطين عثر في مغارة قفزة على مقبرة بشرية تحوي 12 جثة نياندرتالية أرّخت بحدود 50.000 سنة وكانت الجثث لـــ 6 أموات كبار و7 أطفال. وأهم ما عثر عليه فيها، والذي يعني دلالة لها معناها الاجتماعي والروحي، هو قبر امرأة شابة مستلقية على جنبها الأيسر ومثنية الرجلين والى جانبها طفلها الواضع رأسه على صدرها في حين كان بين يديه غزال /رمز الخصب/. أولها: أن العصور التاريخية في المشرق العربي تعد نقطة اتصال أو حلقة بين العصور ما قبل التاريخية والعصر الحديث لجهة شعائر الموت ومعتقداته، بمعنى أن ثمة استمرارية حضارية متواصلة مع الأخذ بعين الاعتبار ما قدمته الثورة المدينية = العمرانية من جهة، وما قدمه اختراع الكتابة من معايير وقيم جديدة على حياة المجتمع آنذاك والشعائر التي مارسها في مجال الموت من جهة أخرى. بالإضافة إلى بدء اعتمادنا، على ما خطه أجدادنا على الرقم الطينية، بما أدى إلى توسيع دائرة الرؤية، لجهة معرفة شعائرهم ومعتقداتهم، بشكل يبتعد عن الاعتقاد، إلى الجزم. الثاني: واقعي بما تقدمه الوثائق، وتدعم ذلك البنى الاثرية واللقى في حيز العصور التاريخية بهذا شكلت الوثائق الكتابية، حالة توثيق لمناحي المجتمع كلها ومنها مسألة الموت. ثالثها: قدر الامكان ابتعدنا عن الاستعانة بالنصوص الأسطورية والأدبية، ليس لعدم أهميتها، بل لأننا شئنا البحث في موضوع الموت وشعائره وفق ما كان يجري، لا ما كان يتم تصوره . فالأسطورة على أنواعها المختلفة تستند إلى ركائز رمزية وكون أن الرمز مشحون بانفعال، فلا نعتقد أن البحث العلمي يقوم على الانفعال، بل على الوقائع الحياتية /لجهة هذا البحث/. وسأعطي مثالاً عن الانفعال الذي ذكرت، فقد ورد في ملحمة جلجامش أنه بنى أسوار أوروك، تلك التي لم يشهد مثلها إنسان ، لكن الكشف الأثري في مدينة «موقع حبوبة» في سورية أثبت أن سور حبوبة الكبيرة يفوق ضخامة سور أوروك المعاصر له. أما في ماري في سورية، فقد لوحظ انه في الألف الثالث قبل الميلاد كان السكان يدفنون موتاهم تحت التراب دون أي تابوت. وكانت الجثة تحاط بطبقة من الجرار الصغيرة. أما المرفقات الجنائزية فكانت عبارة عن أوانٍ فخارية تحوي الأطعمة والشراب بما يؤمن للميت قوت يومه في العالم الآخر. أما قبور الملوك فكانت ومنذ مطلع الألف الثالث عبارة عن قبور ضخمة حجرية.الطقوس الجنائزية في العصور التاريخية: كانت الطقوس الجنائزية تعتبـر ذات أهمية لدى الناس في المشرق العربي، فقد ساد الاعتقاد أنه إذا لم تقدم القرابين للموتى سواء الطعام أو الماء أو إقامة الشعائر على الأموات في يوم الندب، فسوف تخرج أرواح هؤلاء الموتى المحرومين بهيئة أشباح، تعكر صفو حياة الأحياء وتعيث فساداً وشراً. فإحدى التعاويذ المقروءة على نص مسماري تقول على لسان إنسان يبدو إنه ضحية مرض أو شأن سلبي فهم منه أنه يعاني من شبح تقول:
ولعل أول صدمة جابهت الإنسان في وجوده على الأرض /لاسيما حين تطور القشرة الدماغية والقسم الطرفي من الدماغ/، هي صدمة الموت، ولم يكن هذا ليتحقق لولا توافرمجموعة من الاشراطات والمعادلات الفيزيولوجية والبيولوجية، على صعيد الدماغ الإنساني والجسد البشري، ثم تداخلات المناخ والبيئة الطبيعية.والموت همّ فردي، وتجمّع الهموم الفردية أدى إلى نشوء هموم للتجمعات الإنسانية القديمة، ولكن مع تقدم عمل الدماغ وتطوره ومن ثم نشوء المجتمعات الأولى، لم يكن ثمة هم مجتمعي من الموت، لأن المجتمعات تبقى بينما الأفراد يزولون. وبذا صار المقياس الأوحد في دراسة المجتمعات وظواهرها، هو مدى انعكاس حياة الفرد في الجماعة، ومدى انتمائه لها، وبذا يستمر المجتمع ويزول الأفراد، ولا يبقى منهم إلا ما قدّموه للمجتمع من تطوير وإبداع. ولعل قمة الإبداع تكمن في التضحية من أجل المجتمع. وبهذا يصير الموت في المستوى الاجتماعي، ليس نقيضاً للحياة بل جزءاً منها. ولعل الانشغال بظاهرة الموت، اقتضى مرور ملايين السنين من الوجود البشري على الأرض، حتى غدا دماغ الإنسان قادراً على وعي هذه الظاهرة، واستنباط الحلول التعويضية /لا شعورياً/ تجاهها. وهذا ما سنحاول رصده من خلال تاريخ الوجود البشري في المشرق العربي القديم، والذي يرقى إلى حوالي المليون سنة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوثائق هنا /لعدم وجود الكتابة بعد/ تعتمد على اللقى والأدوات التي تركها ذلك الإنسان القديم، بالإضافة إلى بعض البنى والكثير من المدافن والقبور ومحتوياتها، ولاسيما مع ظهور إنسان النياندرتال (100000) سنة .ظهور الإنسان على الأرض وفي المشرق العربي القديم :حددت دراسات علوم ما قبل التاريخ وجود الإنسان على الأرض بحدود ثلاثة ملايين سنة من الآن. وذلك في أفريقيا «هذا حتى الآن». أما في المشرق العربي فدلائل أول وجود إنساني تعود إلى حوالي مليون عام وبعضهم يعيدها إلى مليون ونصف المليون عام « وأيضاً هذا حتى الآن وتذكر الدراسات أن الإنسان القديم الذي أتى إلى المشرق العربي جاء عبر طريقين من أفريقيا:
كانت حياة ذلك الإنسان تعتمد على الصيد والتقاط الثمار، وكان يتنقل خلف مصادر غذائه الحيواني والنباتي. ولم يكن ثمة خصوصية حضارية، بل أن صفات إنسان تلك المرحلة كانت متقاربة في كل أنحاء العالم. وفي موقع اللطامنة في سورية والذي يؤرخ بحدود 500.000 سنة عثر على دلائل مبكرة لاستعمال النار والشروع في البناء. وباطراد كانت تلك التجمعات الإنسانية تتطور، وكانت تعتبر نفسها جزءاً لايتجزأ من الطبيعة، لا بل أن إنسان تلك المرحلة كان يظن نفسه أنه واحد من خصائص الطبيعة، وهذا لم يكن إلا نتيجة لعدم تطور الدماغ لديه ولاسيما قشرته الدماغية. ما اقتضى مرور مليونين وتسعمئة ألف سنة على صعيد الإنسان الأفريقي، وتسعمئة ألف سنة على إنسان المشرق العربي كي تحصل طفرة في بنيته الدماغية تدفعه نحو الأمام في وعي ظاهرة الموت لأول مرة منذ وجوده على الأرض. وما قبل لم يقدم الدماغ له أوليات الدفاع عن موتاه فتركهم نهباً للوحوش المفترسة والجوارح، حتى كان تطور الإنسان القديم المنتصب إلى إنسان النياندرتال، وذلك في حوالي 100.000 سنة حيث يؤكد فرنسيس أور «أن بلاد الشام تشكل مكاناً أصيلاً لإنسان النياندرتال». النياندرتال المشرقي 100.000 ـــ 40.000 سنة: مقاربة أنثروبولوجية : تدل الأبحاث العلمية البيولوجية والفيزيولوجية، على أن دماغ الإنسان يتألف من ثلاثة أقسام: القشرة الدماغية والقسم الحوفي والدماغ الزواحفي. أما المظاهر العاطفية والدينية فهي من اختصاص القسم الحوفي، في حين أن القشرة الدماغية تعنى بفعل الإدراك، ومعلوم أن القشرة الدماغية تؤلف ـــ حسب كارل ساغان ـــ حوالي 90% من دماغ الكائنات الحية. لهذا فحين نرصد ظاهرة وعي الموت عند مجتمع النياندرتال، فإننا لابد واقعون على حقيقة أن ثمة تطوراً حصل في القسم الحوفي والقشرة الدماغية. ويؤكد ساغان على أن حياة الصيد والالتقاط لدى الإنسان القديم والحضارة التكنولوجية لدى الإنسان المعاصر هما من نتاج القشرة الدماغية. وقد دلت الأبحاث العلمية أيضاً لدى دراسة الجانب الداخلي لجمجمة إنسان النياندرتال، إلى أن التناسب القائم بين مختلف أجزاء المخ يجعل الإمكانات العقلية عنده قريبة من مثيلتها عند الإنسان العاقل، الذي تطور في المشرق العربي حوالي 40.000 سنة عن سلفه النياندرتال. والمعلوم أن الإنسان العاقل السوري هو جدنا المباشر أما الجد البعيد فهو إنسان النياندرتال. وعلى هذا يمكننا القول مع ساغان أن سلوكنا نحن الآن لا يزال واقعاً إلى حد كبير تحت سيطرة ماورثناه عن أسلافنا . (لا بل أن كارل غوستاف يونغ رائد علم النفس التحليلي يركز في طروحاته على «أن لاشيء يدل على أن ذلك الإنسان يفكر أو يشعر أو يدرك بطريقة تختلف اختلافاً أساسياً عن طريقتنا في التفكير أو الشعور أو الإدراك، فأداؤه النفسي هو جوهرياً أداؤنا نفسه ولا يختلف عنا إلا في مسلّماته الأولية».ويؤكد أيضاً أن ذلك الإنسان /النياندرتال ثم العاقل/ ليس وحده الذي يمتلك سياقات نفسية قديمة، وإنما إنسان عالم اليوم المتمدن الذي بدوره يكشف عن هذه السياقات النفسية القديمة، دون أن تكون هذه السياقات مجرد ارتدادات متفرقة أتت على الإنسان الحديث من صعيد الحياة الاجتماعية
ويبدو أن هذا يدل على وجود مفهوم للأسرة عند النياندرتاليين وهذا ما سيتوضح أكثر في موقع سبق هذا الموقع بحوالي عشرة آلاف سنة، أقصد موقع شانيدار في العراق والذي يؤرخ بحدود60.000 سنة فقد عثر في الكهف على هيكل عظمي لرجل نياندرتالي في الأربعين من عمره، وبدا من الفحص العلمي أنه يعاني منذ طفولته من شلل نصفي كما أنه أعور ويعاني من التهاب في المفاصل، ويبدو أنه مات في شهر حزيران. والطريف في الأمر أن أمراضه لم تمته، ولكن الذي قتله سقوط صخرة من سقف الكهف عليه. إن الدلالة الروحية ـــ الاجتماعية لدى هذا الإنسان تشير إلى مبلغ العناية التي أحيط بها وهو المشلول والأعور. ويتبدى ذلك أكثر في أن أهله فرشوا قبره بالورود، دلّ على ذلك تحليل حبات الطلع.
وفي كهف السخول في فلسطين عثر على هياكل عظمية في مقبرة جماعية تراوحت أعمار موتاها بين 3 ـــ 50 سنة. ولوحظ أنه لم يوجد مرفقات جنائزية مع الموتى إلامع أكبرهم سناً، حيث كان يقبض بيده على عظم فك علوي لخنزير بري. /وربما يدل هذا على وجود أو تبلور بداية مفهوم للسلطة أو القيادة عند النياندرتاليين/. ولوحظ أن مدافن الرجال والأطفال عندهم تفوق مدافن النساء .ويعج المشرق العربي بمواقع نياندرتالية مثل موقع الكبارا، وعدلون ويبرود وكهف الدوارة وجرف العجلة وأم التلال ومغارة العصفورية شمال بيروت .ويبدو أن بنية الدماغ كانت آخذة بالتطور، ما دفع الإنسان النياندرتالي في أواخر عهده يتجه في المشرق العربي نحو التطور إلى الإنسان العاقل /لا سيما في فلسطين/، جدنا المباشر، وذلك في حدود 40.000 سنة. الإنسان العاقل في المشرق العربي القديم 40.000 سنة خلت: نحن الآن أمام جدّنا المباشر وجهاً لوجه، فهو يمتلك تقريباً كل الصفات الفيزيولوجية والاجتماعية التي يملكها إنساننا الحالي. فطرداً مع تطور بنيته الدماغيه، وحجم دماغه، تطورت أساليب عيشه، وتطورت حياته الروحية والاجتماعية والاقتصادية. ويبدو أنه صار يفهم الطبيعة أكثر، فهو جزء منها ويحاول الانفكاك عنها عبر السيطرة عليها. كل هذا أدى إلى تطور في مناحيه الروحية وبالتالي المعتقدية والفنية، وبقي صياداً ولاقطاً مع تبلور إحساس اجتماعي أقوى من سلفه.أما شعائر الموت لديه فقد استمرت على ما كانت عليه عند سابقه، مع ميل للعناية بشكل واضح بالموتى، دلّ على ذلك أن المرفقات الجنائزية ازدادت وطرق الدفن أصبحت أكثر تعقيداً، فقد بقي يدفن موتاه داخل الكهوف، في وضعية القرفصاء، ويبدو أنه اتجه لدفن الأموات قرب المواقد «كما كان يفعل النياندرتال»، /ربما لأن برودة الجثة دفعته لتدفئتها عسى أن تعود إلى الحياة/. كما أن طريقة الدفن كما /وضعية الجنين/، ذكرّت بعض الباحثين أن لدى الإنسان العاقل ميل روحي، لاعتبار أن الدفن الجنيني هذا ربما يعيد الميت إلى الحياة كون أن الأرض رحم!!.
لكننا نستبعد مثل هذا الاعتقاد لدى الإنسان العاقل.. ونميل للأخذ باعتبارات أن مساحة الكهف هي التي حددت وضعية الدفن الجنيني، أو أخذ جثة الميت هذه الوضعية بشكل طبيعي، ربما نتيجة لموت طبيعي وما إلى ذلك.
ولوحظ أيضاً أن الجثث بدأت تطلى بالمغرة الحمراء، ونعتقد أن هذا يدخل في مجال التعويض عن الشحوب الذي يعتري الجثة. وهذا ما أثبتته الأبحاث العلمية على قبائل بدائية تعيش في أفريقيا حتى الآن حيث ظهر أنهم مازالوا يصبغون الجثث بهذه المغرة لاعتقادهم أنها علامة الحياة. ولوحظ أيضاً أن لدى الإنسان العاقل بدأ يتشكل إحساس الرهبة من الموت، وقد دل على ذلك أنهم كانوا يضعون أحجاراً ضخمة على أيدي الميت وأقدامه وصدره، ربما كي لا يستطيع القيام والعودة إلى الحياة وبالتالي إيذاء الأحياء. وهذا ما أكدته الأبحاث الأنثربولوجية التي جرت على قبائل بوبواس في غينيا الجديدة، حيث لوحظ أنهم كانوا يضعون الحجارة الكبيرة على رأس الميت وصدره وأقدامه. ومن مواقع الإنسان العاقل في المشرق العربي هناك كهف الواد ـــ قفزة ـــ عرق الحمر ـــ الكبارا ـــ مصطبة الخيام ـــ كهف الأميرة ـــ كسار عقيل ـــ انطلياس ـــ يبرود ـــ الكوم ـــ وتدمر. وفي حوالي 12000 تعتدل البيئة والمناخ بشكل يتماشى مع تطور مجتمعات الإنسان العاقل، ويزداد مردود الثروات الطبيعية، وتبدأ تلك المجتمعات تبني قراها نصف المستقرة ومع هذا فلم تغادرالكهوف نهائياً. وبقيت أساليب الدفن متواصلة على ما كانت عليه، مع ميل نحو ظهور مظاهر دفنية، معمارية تمثلت بصفّين من الحجارة للمدافن. وتغيرت أدوات المرفقات الجنائزية مع الحفاظ على ماسبق حيث، عثر في أحد القبور في موقع الكبارا على ثلاثة حجارة طحن، إحداها مدقة موضوعة فوق الرأس. كما عثر على زبدية بازلتية بجانب الرقبة وجزء من حجر الطحن أيضاً. فهل هذا يدل على مهنة صاحب القبر وبالتالي الإيحاء بأن بعض الرجال في هذه الفترة مارسوا الحرف والمهن بديلاً عن الصيد؟. لأن هذه المرفقات «المهنية» سوف نجدها بغزارة في قبور العصور التاريخية مع أصحابها. وفي العراق في كهف شانيدار عثر على قبر لطفل في هذه الفترة حوت مرفقاته على مئات القطع من الخرز والأحجار المنوعة كما عثر على قبر امرأة حوى سكيناً بقبضة عظمية ونصلة صوانية.
ومع حلول الألف العاشر ونتيجة للتطور الآخذ صعداً في مجاري الحياة الاقتصادية الاجتماعية والروحية، بدأنا نلاحظ أننا أصبحنا أمام مجتمعات متجانسة تميزت بالسكن في البيوت وتحولت الجماعة إلى مرحلة القبيلة وبقيت تمارس الصيد والالتقاط ولم تغادر الكهوف نهائياً.أما طرق وشعائر الدفن، فقد بنيت المقابر الكبيرة ومورست عملية الدفن الفردي والجماعي ويبدو أن المقابر انفصلت عن المساكن وبقيت إلى جوارها. وطليت الجثث بالمغرة الحمراء. وهذا لا يعني أن الدفن لم يجر في المساكن، فقد عثر على عمليات دفن تحت أرضيات البيوت. وهنا يبدو أنه قد حصلانعطاف في البنية الذهنية للإنسان، حيث تبدأ بواكير فصل الجمجمة عن الجسد، ودفنها منفردة. بما يوحي ببوادر نشوء اعتقاد «عبادة الأجداد»، والذي سوف يتوضح أكثر في العصور اللاحقة. مواقع هذه الفترة: عين الملاحة ـــ المريبط ـــ الجرف الأحمر ـــ أبو هريرـــ نهر الحمر ـــ الطيبة ـــ جيرود ـــ شقبة.والملاحظ في هذا المجال أن الدفن كان يتم في قبور منتظمة، أما المرفقات الجنائزية فكانت عبارة عن أسلحة حجرية وأسنان ولؤلؤ وقرون غزال بالإضافة إلى سن حصان وأجزاء حيوانية أخرى. وفي الفترة بين 8300 ـــ 6000 ق. م: تم ولوج البشرية منعطف جديد عبر الثورة الزراعية التي خرجت من المشرق العربي القديم إلى العالم. ويبدو أن هذه الثورة العلمية ما كانت تتحقق، لولا تراكم مجمل المعطيات على مجرى العصور السابقة ما أدى إلى حصول هذا الابتكار المشرقي العربي، والذي سيعكس من الآن فصاعداً جملة من المعايير والاعتقادات، ويخلق بالتالي تحولات اقتصادية واجتماعية وروحية مهمة، إن كان على صعيد دورة الحياة أو على الصعيد الذهني البشري. فقد أدى هذا التحول إلى نشوء القرى الزراعية الثابتة والمستقرة. ويبدو أن الإنسان بدأ يهجر الكهوف والمغاور نهائياً، ولكن هذا لا يعني أنه لم يستمر في حياة الصيد والرعي، لا بل إن حياة المجتمعات آنذاك شملت عالم الزراعة، بالإضافة إلى عالم الصيد والرعي واللذين تعايشا جنباً إلى جنب في دورة اقتصادية اجتماعية واحدة سوف توثقه أساطير العصور التاريخية، ولاسيما أسطورة المزارع والمراعي، ووثائق المشرق العربي في الألفين الثالثة والثانية ق. م.
ومع ابتكار الزراعة، انتقل الإنسان بوصفه جزءاً من الطبيعة إلى الانفصال عنها، والسيطرة عليها. وهذا سوف يؤثر في بنيته الذهنية وفي تفاعله مع الطبيعة ونواميسها، والتي ترتكز في ظاهرة الموت /الموت الدوري للنبات ومن ثم انبعاثه في مواجهة الموت الخطي قبل الانفصال عن الطبيعة/. ولاسيما في نشوء ظواهر الاعتقادات الدفينة الخصبية التي تجلت في ميل اعتباري للثور /الظاهرة الأقدم/ وعبادة الأم الكبرى، وصولاً إلى الأرواحية أو عبادة الأجداد، التي يعبرّ عنها بعبادة الجماجم عبر فصلها عن الأجساد.ففي حوالي منتصف الألف الثامن قبل الميلاد سوف تغدو الجماجم موضع اهتمام كبير وهذا ما توضح في مواقع هذه الفترة، ففي المريبط، عثر على هياكل دفنت بلا رؤوس تحت أرضيات بيوت السكن. أما الجماجم فبعد فصلها عن الأجساد، كانت توضع على امتداد جدران المنازل لاعتبارات اعتقادية. كذلك عثر على نفس هذه الظاهرة في أريحا في فلسطين .ولم تكن الجماجم لتترك بل أنهم كانوا يعالجونها كنوع من التعويض في المستوى النفسي الجمعي، ويحاولون إعادة تشكيلها من الجص، وصبغها بما يماثل لون البشر، ثم تنزل العيون بالصدف أو القواقع ويرسم على الجمجمة خيوط بنية كدلالة عل شعر الرأس. وقد عثر على هذه الجماجم المقبولة في مواقع عدة في أريحا وبيسامون ووادي حمار وفي تل الرماد.مقاربة نفسية ـــ أنثربولوجية لظاهرة الأرواحية «عبادة الأجداد»:تدل الأبحاث العلمية، والميدانية الأنثربولوجية، إلى وجود جماعات بدئية إلى الآن تعيش منعزلة في أماكن عدة من المعمورة، ولاسيما في أفريقيا وأستراليا والأسكيمو، مازالت تمارس الأرواحية التي مرت بها المجتمعات الإنسانية في أطوارها السالفة. وقد بينت هذه الدراسات الميدانية أن سكان هذه الأماكن يعتقدون أن الأجداد يستمرون بالتدخل في حياة الجماعة لا بل ويظهرون موافقتهم أو عدمها عبر مدلولات طبيعية /كون أنهم مازالوا جزءاً من الطبيعة وخاصية من خواصها/ ولعل الأحلام عند هؤلاء تلعب دوراً مهماً في ربط عالم الأموات مع عالم الأحياء. ويبدو أن عبادة الأجداد تنزع فيما تنزع إليه، إلى تمتين أواصر اللحمة بين الجماعة واستمرارية تقاليدها وأخلاقها التي صاغها الأجداد وبذا تتوضح ظاهرة المعتقد هنا بأنها ظاهرة اجتماعية بحتة أوجبتها ظروف الصراع في الحياة من أجل البقاء.
فحسب تلك الجماعات إن الجد المدفون يجعل الأرض خصبة إذا عرفوا كيف يكسبون عطفه. لهذا فإذا أرادت جماعة ما أن تهاجر فينبغي أن تحمل جماجم أجدادها معها. فالأجداد إذاً هم جزء من المجتمع الإنساني الحي وعلى حد قول فرويليش فإن عبادة الأجداد هي عقدة من سلسلة طويلة اسمها الزمن. لهذا فإن معرفة الأنساب والحفاظ عليها لها فائدة كبرى في المجال الاجتماعي، حيث تمتّن الأواصر الاجتماعية بقيادة الأجداد، إذاً هي ظاهرة قبلية بامتياز. فالأجداد هم ضامنو النسب للقبيلة وعبادتهم تضمن استمرارية التقاليد والأخلاق الاجتماعية بين أفراد الجماعة، كما أن هذه العادة تؤدي إلى توازن في المستوى النفسي الجمعي بين عالم الأحياء وعالم الأموات بما يضمن استمرارية دورة الحياة للأجداد واستمرارية حياة الأموات في وجود الجماعة. وهذا ما يطلق عليه تعبير الأخلاق النفعية. ويختصر أحد شيوخ القبائل التي درست عبادة الأجداد بقوله: «إن الأموات يعيشون بقدر ما نفكر بهم وعلينا أن نطيعهم». ويشار أيضاً في هذا المجال إلى وجود ظاهرة أخرى هي ظاهرة الأقنعة والتي عثر عليها في موقع وادي حمار حيث أن هذه الأقنعة توحي بتظاهرات ذات طابع جمعي شعبي حيث كان القناع يصمم لكي يضعه أحد الأشخاص /كرمز إرواحي/، وتقام طقوس وشعائر ربما في عيد الأموات. ويشير جاك كوفان أنه ربما يحمل دلائل خصبية كانت الأقنعة تثقب بثقوب دائرية، أما الأنف فعبارة عن نتوء قليل البروز والفم نصف مفتوح، وثمة تلاوين بالأحمر والأخضر تشكل خطوطاً مشّعة من المركز باتجاه محيط الوجه، وتحمل هذه الأقنعة على طرفها صفاً من الثقوب من أجل تثبيتها مع وجود آثار حمر تدل على استخدام مادة لاصقة لشعر مستعار. ويشير كوفان إلى أن هذا الطقس إنما يعبر عن أصل المسرح المقدس في المشرق العربي ويعتقد أنه ربما يعود لعصور أقدم بكثير من زمنه .الفترة بين 6000 ـــ 5000 ق. م:استمر تطور المجتمعات الزراعية مع تعايشها مع مجتمعات الصيد والرعي، وقد بقيت طقوس الدفن تتم تحت أرضيات المساكن أو بقربها، وشملت المرفقات الجنائزية، أواني فخارية وحجرية ودمى نسائية وحيوانية مع ملاحظة أن هذه الفترة، لم يعثر في مواقعها على دلائل تشير إلى استمرار عقيدة عبادة الأجداد، كما لم يعثر /حتى الآن/ على جماجم مقولبة، مع اعتقادنا أنها استمرت لأنها ستظهر في العصور اللاحقة.
أهم مواقعها: رأس شمرا والعمق والكوم وبقرص في سورية، ووادي اليرموك والحولة وأريحا ووادي رباح في فلسطين، أما في لبنان فأرض قليلة وجبيل، وفي العراق أم الدباغية وتل حسونة وسامراء.الفترة بين 5000 ـــ 3500 ق. م: تطورت التقنية في مجال الزراعة إلى الري الصناعي والأقنية، وأصبحت الزراعة أكثر انتاجية. ومن المدافن يستنتج أنه ثمة تمايز اجتماعي يبدأ بالظهور بين الكهنة، ورجال الدين والسلطة والتجار من جهة، وبين بقية الناس من جهة أخرى. فقد حفلت قبور الأغنياء بالمعادن الثمينة، ولاسيما الذهب والفضة مجتمعات هذه الفترة مارسوا الدفن، ويبدو أنهم دفنوا الجماجم بمعزل عن الأجساد ما يشي بعبادة الأجداد، التي سوف تستمر حتى العصور التاريخية. حيث عثر على عبادة الأجداد في إيبلا عبر اكتشاف المقبرة الأمورية هناك والتي تعود للألف الثاني قبل الميلاد .والجدير ذكره هنا، هو ظهور ظاهرة دفنية جديدة، تجلت في حرق الجثث ووضعها في جرار. وكان هذا يتم للكبار فقط أما الصغار فكانوا يدفنون بشكل اعتيادي. وأكثر الدفن داخل البيوت كان يتم للمواليد الجدد المتوفين، أما الكبار فقد دفنوا خارج البيوت. وقد عثر في بعض القبور على مرفقات جنائزية مثل التماثيل والأواني مع وجود سفن من طين. وهذه دلالة على نشوء مفاهيم جديدة في هذه الفترة لعالم ما وراء الموت، سوف يتوضح في العصور الكتابية حيث ثمة في العالم الآخر، نهر يعبره الإنسان بسفينة كي يصل إلى العالم السفلي.
والذي يبدو كما هو واضح، في سياق البحث، أن وقفة الإنسان القديم تجاه ظاهرة الموت هي سلسلة واحدة تبدأ من إنسان النياندرتال، وصولاً /كما سنرى/ إلى الإنسان الحديث والمعاصر. مع فارق بسيط يوضحه عالم النفس يونغ بقوله: «إن الإنسان القديم يفعل ما يفعل، لكن الإنسان المتمدن يعرف ماذا يفعل» . وفي هذه النقطة تكمن وظيفة الدماغ ومدى الوعي الإنساني الذي لا حدود له. استنتاجات تختص بالفترة التي امتدت من حوالي 100000 سنة وحتى 3500 ق. م: إن أقدم دليل أثري على وجود بشري في سورية يرقى إلى حوالي مليون سنة وبعضهم يعيد ذلك إلى مليون ونصف مليون سنة. إن إنسان النياندرتال في المشرق العربي القديم، هو أول من وعى مسألة الموت متزامناً هذا مع تطور بنية الدماغ لديه ولاسيما القشرة الدماغية والقسم الحوفي من الدماغ.
إن عبادة الأجداد = الأرواحية تجلت منذ بواكيرها، في حوالي الألف العاشر قبل الميلاد. وهذا يشكّل انعكاساً لحالة النظام الاجتماعي القبلي نصف المستقر، والذي مارس الصيد والتقاط البذور. وهنا بدأت بواكير فصل الجمجمة عن الجسد لتتكرس وتتبلور مع الثورة الزراعية التي شهدها العالم آنذاك، انطلاقاً من سورية وذلك في حوالي منتصف الألف التاسع قبل الميلاد. كان الدفن يتم تحت أرضيات الكهوف والمساكن. كما شهدت المنطقة بناء مقابر منتظمة ومعزولة عن المساكن في مواقع عديدة.
ظاهرة الموت ومعتقداته في العصور التاريخية 3200 ق. م: نحن هنا مع استمرار لتقاليد وشعائر الدفن التي كانت سائدة سابقاً، مع ازدياد في التطور لجهة مناحي الحياة الدفينة، ولاسيما مع بداءات نشوء المدن، ومع فجر الكتابة والذي انطلق من المشرق العربي القديم ولعلنا وفي مجال متابعة البحث، ولاسيما في العصور التاريخية /الكتابية/ نجد أنه ينبغي الإشارة إلى عدة مرتكزات:
وسوف نجد أن ثمة شعائر ومعتقدات وحياة رمزية، مازالت موجودة إلى الآن في حياتنا تستمد جذورها من العصور القديمة.
ثانيها: كنا في مجال العصور ما قبل التاريخية نعتمد على اللقى وبقايا المباني والمقابر والمرفقات الجنائزية لتفسير موقف المجتمع من الموت، أما مع اختراع الكتابة فنحن الآن مع مسار يأخذ منحيين:
الأول: إرجاعي بما يفسر الرموز والبنى ماقبل التاريخية عبر الوثائق الكتابية المكتشفة.
وأيضاً، فمسألة الموت في الأسطورة المشرقية، صحيح أنه كان يعبرّ عن موقف المجتمع من الموت لكنه يتضمن في الوقت نفسه خلفية للثقافة الزراعية، وصراعاً للرموز فيما بينها، على قاعدة ثنائية الموت ـــ الانبعاث. ومجالنا نحن هو ليس في التصور والتخيلات بقدر ما هو رصد الممارسات ومجمل السلوك الإنساني المجتمعي الواقعي والذي وثّقته كتابات ونصوص المشرق العربي، بعيداً عن التصورات والانفعالات. هذا مع احتفاظنا بمقولة إن الفكر الفلسفي انبثق من الأسطورة .ومع عصر فجر التاريخ /حوالي 3500 ق. م/، نلاحظ أن شعائر الدفن في المشرق العربي القديم بقيت على حالها، واستمر الدفن تحت أرضيات المساكن /الظاهرة الأقدم/، مع ملاحظة هنا، أننا أصبحنا أمام ظاهرة دفن تتم في الجرار الفخارية، للأطفال أولاً ثم شملت الكبار أيضاً. وفي هذه الفترة، وباطراد مع الزمن، لم يعثر على ظاهرة فصل الجماجم عن الأجساد. ما يعني أن عبادة الأجداد أو حتى ظاهرة الجماجم المقولبة لم تظهرها المواقع الأثرية حتى الآن. وربما الذي حصل ونتيجة للاتجاه الاجتماعي ـــ الاقتصادي ومع بداءة تأسيس المدن ونشوء الزعامة بشكل نظام سياسي، أن تحولت عبادة الأجداد /القبلية/ إلى عبادة للملوك وتأليههم بعد الموت، تبعاً للتطور الاجتماعي ـــ الاقتصادي الحاصل في المجتمعات. دون أن ننسى دور الكهنة في عامل الربط بين السماء والأرض.
ومن ناحية المرفقات الجنائزية /وهذه التسمية نعتقد أنها أفضل من الأثاث الجنائزي/، نلاحظ استمرارية لما كان سائداً من قبل. مواقع هذه الفترة:
عثر في بيبلوس «جبيل» في لبنان على مقبرة تؤرخ بحدود 4000 ـــ 3100 قبل الميلاد حيث دفن الموتى داخل جرار كبيرة بعد أن تم قص أحد جوانب الجرة لادخال الجثة وتم الاستفادة من القسم المقصوص بأن أصبح غطاءاً للجرة. المرفقات الجنائزية كانت عبارة عن أوانٍ فخارية كانت تحوي طعاماً وشراباً، وزود الموتى بالأسلحة الحجرية والنحاسية، وشملت قبور النساء على أدوات زينة وتبرج. وفي جرة كبيرة عثر على هيكل عظمي لرجل، والى جانب هذه الجرة ثمة جرة صغيرة حوت هيكلاً عظمياً لكلب، /ما يشي باعتقاد أن الميت كان صياداً/. وفي أريحا في فلسطين عثر على قبور محفورة في المنحدرات الصخرية ويعتقد أن الدفن فيها استمر لأجيال متعاقبة ولمئات السنين. وفي العراق عثر في موقع تل قاليج آغا على دفن تحت أرضيات البيوت بالإضافة إلى العثور على جرار تحوي هياكل أطفال. كانت جرار الأطفال ذات شكل كروي ولها فوهات واسعة حيث يدفن الطفل فيها بوضع جنيني. ويتم دفن الجرة في باطن الأرض بعمق يتراوح بين متر وأربعة أمتار. وفي مواقع أخرى عثر في بعض القبور على نماذج فخارية لزوارق شراعية وهذا ما سنناقشه لاحقاً مستندين على النصوص المسمارية. وفي موقع أور في العراق عثر على مقبرة تضم 16 قبراً ملكياً وتعود لحوالي 2900 ـــ 2750 ق. م، والشيء اللافت هنا هو احتواء المقبرة على ضحايا بشرية ترافق الملك في عالم القبر وكأنه اعتقاد بأن الميت يحيا في القبر بانتظار انتقاله إلى العالم السفلي عبر نهر، فلا بد من وجود حاشيته معه للعناية به. ففي قبر عائد لملك أور (آ ـــ كلام ـــ دك) عثر على 40 مرافقاً من الحاشية وفي قبر عائد للملك (آ ـــ بار ـــ كي) عثر على ثلاث ضحايا بشرية في جزء منه وفي جزء آخر عثر في حفرة كبيرة على 62 جثة بينها 6 جثث لجنود وتسع لنساء.والملاحظ أن أصحاب هذه الجثث دفنوا بكامل ملابسهم وزينتهم أما الحرس فكانوا يحملون أسلحتهم والموسيقيون قيثاراتهم وصنوجهم. وقد تقدم هذه الضحايا عربتان ربط إلى كل منهما ثلاثة ثيران وقد جلس في داخلها الحوذيون .أما قبر الملكة «بور ـــ آبي» فقد عثر على عدة جثث لنساء رتبت في صفين، وفي آخر الصفين توجد قيثارة بالقرب منها هيكل امرأة امتدت عظام يديها عبر حطام القيثارة. وبلغ عدد الضحايا البشرية مع الملكة حوالي 25 ضحية. كما عثر في قبر آخر على حوالي 74 ضحية بشرية منها 68 لنساء والبقية لرجال.. يبدو أنهم جنود حيث اتكأوا على الجدار مع أسلحتهم، في حين كانت أربع نساء يقفن أمام قيثاراتهن. ولتفسير هذه الظاهرة الاستعبادية عبر وجود ضحايا بشرية ترافق الملك في عالم القبر. والتي تعتبر في رأينا ظاهرة مستوردة، لا تعبر عن ذهنية المشرق العربي بدليل عدم تواجدها سابقاً وعدم استمراريتها، رغم العثور على ما يدل أن مواقع مدينة كيش الرافدية قد شهد هذه الظاهرة (80 ضحية دفنت مع حكام). فنحن نعتقد أن هذه الظاهرة مستمدة من الطقوس المصرية فقد عثر حول قبر الفرعون (جير) خليفة (غور آخا) في أبيدوس على حوالي 388 قبراً معظمهم لنساء والذي يبدو أنه جرى تقديمهن كقرابين كي ترافق الفرعون إلى العالم الآخر.وفي موقع آخر جرى دفن 269 ضحية بشرية إلى جانب الفرعون كما رافقت زوجة الفرعون «ميرنيت» (41) ضحية، في حين أن الفرعون (أوداجي) رافقه 174 ضحية .والذي يلاحظ أن الضحايا يكونون من أصحاب الحرف كالخزافين والنجارين والحجارين والرسامين وصانعي السفن وكل مع أدواته وتعود هذه القبور لحوالي 3100 ـــ 3000 ق. م. وفي موقع أبو ضنّة في سورية، والذي يعود لمطلع الألف الثالث ق. م، عثر على عمليات دفن تحت أرضية البيوت تمت في جرار فخارية.
«سواء كنت شبح شخص غير مدفون، أو كنت شبحاً لم يلق عناية لائقة، أو شبح الميت الذي لم تقدم له القرابين الجنائزية أو الذي لم يسكب له الماء..»
كما أن أحد النصوص يتحدث عن «أن الأشباح الشريرة تخرج من القبر من أجل الحصول على الطعام والماء». ولقناعتنا الآن /في العصر الذي سوف تسود فيه الروح العلمية/، بأن حالة المرض أو الحمى أو كل ما كان يصيب الإنسان، كانت تفسر تبعاً لحالة البنية الدماغية لديه ومدى تطورها، لذا فان تعليله المعتمد على اعتقادات طقوسية، جعلته في حالة مرضه سواء العضوي أو النفسي، يلجأ إلى الإشارة بإصبع الاتهام إلى الأرواح الشريرة. وهذا ما استمر ولو بشكل أقـــل حتى حياتنا المعاصرة وعند بعض شرائح المجتمع ولاسيما التي لا تملك المعرفة العلمية. وتتحدث النصوص أيضاً عن شخص ابتلي بمرض ما /وحسب اعتقاده بروح شريرة/ حيث يتضرع إلى أرواح الموتى من عائلته لينقذوه فيقول بحس وجداني عالٍ:«يا أرواح عائلتي، يا أرواح أبي وأمي وأجدادي وأخي وأختي وكل أهلي وأقربائي.. كنت أقدم إليك القرابين الجنائزية وأسكب الماء لك وأبذل العناية لك وأبجلك.. قفي الآن أمام شمش وجلجامش واعرضي قضيتي واحصلي على قرار رأفة بحقي.. ليتسلم نمتار الروح الشريرة التي في جسدي وأعصابي وليمنعها نيدو من العودة ثانية، خذي هذه الروح إلى أرض اللاعودة ودعيني أنا خادمك، حياً.. سأقدم الماء البارد لشربك فامنحيني الحياة لأغني بمديحك». وثمة رسالة من حاكم ترقا «التابعة لماري» إلى ملك ماري زمري ليم، يشير فيها الأول إلى أن الإله دجن طلب بوساطة الكاهن /ماخو/ إقامة الشعائر الجنائزية لروح يخدون ليم والد زمري ليم، حيث يبدو أن زمري ليم انقطع عن إقامة الشعائر لوالده المتوفى. وهاهو آشور بانيبال يذكر في أحد نصوصه: «لقد قمت بإعادة الشعائر التي تشمل الطعام والشراب المقدم لأرواح الموتى الملوك، والتي كانت مهملة، وأنجزت كل ما هو حسن للإله والإنسان، للميت والحي» .وكان موعد إقامة الشعائر والطقوس يختلف بين المدن، ففي بابل مثلاً، كان يتم في التاسع والعشرين من كل شهر، حيث يعتقد أن أرواح الموتى تتجمع في ذلك اليوم والقمر محاقاً. وكان هذا اليوم يوصف /بيوم سكب الماء. يوم القرابين الجنائزية، يوم الكآبة، يوم الندب/، وفي إيبلا كان يتم في الشهر الحادي عشر من السنة وهو شهر عشتار، أما العيد السنوي لإقامة الطقوس فكان يتم في شهر آب في بابل وفي آشور كان يتم تقديم الطقوس في شهر شباط. وينبغي الإشارة أيضاً إلى أن الطقوس الجنائزية كانت تقام أيضاً لإرضاء الآلهة ولاسيما آلهة العالم السفلي. فقد جاء في أحد النصوص: «انك تقدم القرابين الجنائزية من أجل الحقل الذي لاينتج.. ومن أجل الأقنية التي لاتجلب الماء.. إنك تقدم القرابين لآلهة العالم السفلي».
ومن طرائف الأمور أن إحدى الوثائق الأكادية التي تعود للألف الثالث ق. م تذكر أن من يُتبنى، عليه أن يلتزم بتقديم القرابين إلى روح متبنيه بعد موته حيث جاء في النص: في حياتي تقومين بإطعامي وحين أموت تقدمين لي القرابين الجنائزية». الحرمان من الدفن كعقاب مجتمعي ضد الأفراد في الحروب: شكـّل الحرمان من الدفن عقاباً لمن لا يمتثل للقانون في مدن الدول آنذاك، إضافة إلى أن الانتقام خلال الحروب، كان يركز على نبش أضرحة ملوك الأعداء. ففي الأدعية كان يقال: «عسى أن يتهاوى جسده ولا يدفنه أحد» .وعسى ألا يدفن جسده في التراب» لا بل أن أحد القوانين الآشورية يذكر: «إذا أجهضت امرأة حامل نفسها فيجب أن يحاكموها وإن أدينت توضع على الخازوق ولا تدفن، وإذا ماتت أثناء الإجهاض فيجب أن توضع على الخازوق لا تدفن جثتها».وعلى مسلة تعود إلى أمير لجش آي ـــ أناتم، وتؤرخ حوالي 2600 ق. م، ثمة صور منقوشة تصور انتصاراته على أهل مدينة «أوما»، حيث يظهر القتلى مكدسين على الأرض، وجنود أمير لجش يسيرون فوقها، وقد نقشت رسوم النسور على المسلة وهي تطير من ميدان المعركة، حاملة بمناقيرها ومخالبها رؤوس وأيدي القتلى من الأعداء. ويؤكد ذلك نص يصف فيه الأمير حربه وانتقامه فيقول: «بتصرف»:ذبحت جيش أوما في مدينتهم.. وتركت أجسادهم في السهل للطيور والوحوش، لتلتهمها ومن ثم كومت هياكلهم خمسة أكوام في خمسة مواضع منفصلة».وتذكر حوليات آشور بانيبال، أنه في حربه ضد العيلاميين، خرّب أضرحة ملوكهم، وأخرج عظامهم ونقلها معه إلى آشور كأسلوب انتقام: «لقد نبشت قبور ملوكهم السابقين والمتأخرين الذين لم يخافوا من هيبة آشور، والذين أقلقوا أسلافي من الملوك، لقد نبشتها وعرّضت هياكلهم للشمس وأخذت عظامهم إلى بلاد آشور، لقد فرضت الإزعاج على أرواحهم وقطعت عنهم قرابين الطعام وسكب الماء». ومن الطريف في هذا المجال، ما فعله«مردوك ـــ بلادان» حين تمرد على الملك سنحاريب، فعقب فشل تمرده، أخرج هياكل أسلافه وفر بها بعيداً، لخشيته من أن يلحق سنحاريب الأذى بها التوابيت: مع بداية العصور التاريخية، كانت الجثث تدفن بعد لفها بحصر من القصب. أو تدفن الجثة في قبر مبطن بالحصر، وهذا ما أكدته مواقع أور ـــ تل صوان ـــ كيش. كما استعملت التوابيت الخشبية في كيش. وعثر على توابيت طينية في موقع خفاجة.
وشاع الدفن في الجرار الفخارية في المشرق العربي، كما استعملت السلال في دفن الأطفال. وعثر على توابيت فخارية تشبه «طشت الغسيل»، حيث كانت تغطى بجذوع النخيل أو أغطية فخارية أو طينية. ففي موقع الأنصاري قرب حلب «2400 ـــ 1600 ق. م» عثر على مقبرة تشبه مقابر بلاد الشام من الناحية المعمارية، ومن ناحية المرفقات الجنائزية، ولاسيما مقابر قطنة والسلنكحية وتل برسيب وإيبلا.. وحوى أحد القبور، على هيكل عظمي لامرأة داخل جرة كبيرة لها فوهتان. وفي ماري شاع الدفن داخل الجرار الفخارية خلال الألف الثاني قبل الميلاد، وقد عثر على جرتين كبيرتين كانت فوهة كل منهما مقابلة للأخرى. وكان ممن أهم المرفقات الجنائزية، ثلاثة أقنعة لرجال مرد، مع زوائد متطاولة تمثل الأذنين وقد ثبّت القناع على صدر الميت. والجدير ذكره أن الأقنعة هذه عثر عليها في مواقع عديدة في الجناح الشرقي للمشرق العربي وفي أوغاريت. شعائر الموت في إيبلا: تقول مرغريت يون: «من البحر المتوسط وحتى الفرات يلاحظ استمرار العديد من مظاهر الأثاث الجنائزي للمدافن». فإيبلا لا تشذ عن هذا الأمر. ويبدو بشكل عام أن شعائر الموت ومعتقداته وبدءاً من السيادة العمورية على مدن المشرق العربي القديم قد تجانست ضمن معايير معينة وضمن نظام واحد مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئة الخاصة بين مدينة وأخرى. فقد عثر في إيبلا على مقبرة ملكية أمورية تعود للألف الثاني قبل الميلاد، وحول هذا يقول باولو ماتييه: «إن هذا التقليد الإيبلائي يعود إلى فجر التاريخ وقد شاع هذا التقليد ويقصد المقبرة الملكية تحت القصر الملكي وفي قلب المدينة في جنوب الرافدين منذ منتصف الألف الثالث ق. م، كما في أور». فقد ظهرت تحت أرضيات القصر الغربي مقبرة ملكية هي عبارة عن أربعة مدافن، أهمها مدفن الأميرة ومدفن سيد الماعز ومدفن الخزانات.مدفن الأميرة يعود لحوالي 1800 ق. م، أما مدفن سيد الماعز فيؤرخ 1750 ق. م، وفي هذا المدفن عثر على تميمتين من العاج إحداهما، تشي بطقس جنائزي، حيث أنها تتألف من سلسلتين من الصفائح العاجية الرقيقة، وقد حوى المشهد الأول منها على وليمة جنائزية مؤلفة من رجل عاري الرأس، يمسك بعصا، ويجلس رواء منضدة مليئة بأرغفة الخبز، ويقف أمامه عدد من الخدم ورجل وامرأة عاريين، أما المشهد الثاني فيتألف من قردين في حالة ايتهال أمام ثور، ومن شكل ثانوي لرجل يحمل فأساً. وقد فسر ماتييه هذا المشهد مستنداً على أبيات من شعر أوغاريتي تتعلق بالإله «كيريت»، حيث يتولى الابن الأكبر والإبنة الكبرى مهمة مراسم دفن والدهما الملك المتوفى. ففي المشهد الأول يكون الملك هو صاحب الوليمة الجنائزية، ومن ثم تنسخ روحه بعد الوفاة في شكل ثور يبتهل له القردان. ويشير ماتييه إلى تفسير هذه المشاهد وفق أسطورة تموز. الجدير ذكره أن مدافن تلك الفترة تتشابه مع مثيلاتها في أريحا في فلسطين وجبيل في لبنان. وقد دلت المقبرة الأمورية في إيبلا على ظاهرة عبادة الأجداد أو عبادة الملوك ، ونحن نعتقد أن الظاهرة هنا، لا تعبر عن عبادة الأجداد بالمعنى القبلي، لأن نظام إيبلا السياسي شهد ملوكاً مختلفين ولا يشكلون علاقة أسرية متوارثة، وبالتالي فنحن أميل للأخذ بتقديس الملوك بعد موتهم.شعائر الموت في أوغاريت: تم اكتشاف الكثير من المدافن في أوغاريت، حيث توضعت تحت أرضيات المساكن. فالبيت الأوغاريتي بشكل عام، يحتوي طابقه الأرضي على مركز للأعمال الحرفية أو المنزلية والمستودعات ويكون مفتوحاً على الشارع. وثمة طابق ثانٍ، مخصص لسكن العائلة، وربما يوجد طابق ثالث ثم السطح. أما تحت الطابق الأرضي فيتوضع مدفن العائلة ويكون لها باب إلى الشارع مباشرة إضافة إلى ارتباطها ببقية أجزاء المنزل. عثر في أحد المدافن ضمن المنازل، على مرفقات جنائزية تضم بيوض النعام، كانت تستورد من مدن المشرق العربي الأخرى. كما كانت القبور تحوي على الأسلحة والحلي. وعثر في القصر الملكي على مدافن ملكية كبيرة تعود لحوالي 1400 ق. م، وحوى أحد القبور على منحوتة لموسيقي يعزف على صنجين. وقد تم قراءة أحد النصوص الأوغاريتية التي تتحدث عن أرواح الموتى «الابوم»، ويبدو أنها مرتبطة بعبادة أو تأليه الموتى /ربما الملوك/، أو إقامة شعائر جنائزية في ما يسمى بالمرزح. ويبدو أن المرزح كان على شكل مؤسسة اجتماعية، تعنى بالطقوس الجنائزية التي تقام في دار مرزح لبكاء الأموات، وربما استذكارهم. حيث يقتسم الخبز ويشرب النبيذ للتعازي بالأموات. وفعل رزح، يفيد بمعنى السقوط إلى الأرض. وقد افترض جوناس جرينفلد أن ثمة توافقاً بين المرزح وبين طقس كيسبو الرافدي، فالمدعوون إلى الوليمة يكونون الأجداد وأرواح الموتى. ويبدو أن المرزح كان يشمل وليمة جنائزية، يتم عبرها دعوة أرواح الأجداد لذكراهم والتبرك بهم. وفيما يعاصر أوغاريت نميل نحو أريحا في فلسطين، حيث أدت المكتشفات الآثارية، إلى العثور على مدافن شبيهة ببقية مدافن بلاد الشام، ولكن الشيء الجديد هنا، هو أن المرفقات الجنائزية جديرة بأن نطلق عليها اسم أثاث جنائزي، فقد حوى أحد المدافن على أثاث «مناضد وطولات وكراسي خشبية» حيث استلقى الميت وسط الغرفة، على سرير بالقرب من طاولة، محملة بقطع من أدوات مهنية، استخدمها الميت في حياته /حيث كانت مستعملة/. ويبدو أن الأثاث الجنائزي هذا كان تشبهاً بالمدافن المصرية. العالم السفلي عند المشرقيين القدماء: يتألف العالم السفلي حسب أحد النصوص الآشورية، خلال فترة السيادة الأمورية على المشرق العربي 2000 ق. م، إلى أن الأرض تقسم إلى ثلاث طبقات:
الأرض العليا = أرصيتو إليتو «بالأكادية»، الأرض الوسطى = أرصيتو قبليتو، الأرض السفلى، /العالم السفلي/ = أرصيتو سبليتو







